للأنبياء علاقة خاصة مع الله عز وجل فهم صفوة خلقه من البشر، وأن انتقالهم من الحياة الدنيا إلى موت يختلف عن انتقال غيرهم إلى هذا الحال، وحياتهم في البرزخ لها شأن خاص,
عَن أَنَس رضي الله عنه ، أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ) صححه الألباني في "الصحيحة" (621) .
قال الشيخ الألباني رحمه الله :" اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، إنما هي حياة برزخية ، ليست من حياة الدنيا في شيء ، ولذلك وجب الإيمان بها ، دون ضرب الأمثال لها ومحاولة تكييفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا .
هذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد : الإيمان بما جاء في الحديث ، دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء ، كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادّعاء أن حياته صلى الله عليه وسلم في قبره حياة حقيقية !
قال : يأكل ويشرب ويجامع نساءه ! ! . و إنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى " انتهى كلامه .
أما رده صلى الله عليه وسلم ، سلام من يسلم عليه ، ففي نفس الحديث الدال على ذلك ، ما يدل على أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
روى أحمد (10434) وأبو داود (2041) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ) حسنه الألباني .
قال الإمام ابن عبد الهادي رحمه الله : "رد الروح على الميت في البرزخ ، ورد السلام على من يسلم عليه لا يستلزم الحياة التي يظنها بعض الغالطين ، وإن كان نوع حياة برزخية وقول من زعم أها نظير الحياة المعهودة مخالف للمنقول والمعقول ، ويلزم منه مفارقة الروح للرفيق الأعلى وحصولها تحت التراب قرناً بعد قرن ، والبدن حي مدرك سميع بصير تحت أطبقا التراب والحجارة ولوازم هذا الباطلة مما لا يخفى على العقلاء " . انتهى من "الصارم المنكي" (225) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فهذه النصوص التي ذكرناها تدل على أنه يسمع سلام القريب ، ويبلَّغ سلام البعيد وصلاته ، لا أنه يسمع ذلك من المصلي والمسلم ، وإذا لم يسمع الصلاة والسلام من البعيد إلا بواسطة ، فإنه لا يسمع دعاء الغائب واستغاثته بطريق الأولى والأحرى . والنص إنما يدل على أن الملائكة تبلغه الصلاة والسلام ، ولم يدل على أنه يبلغه غير ذلك ، والحديث الذي فيه ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ، فهم العلماء منه السلام عند قبره خاصة ، فلا يدل على البعيد ، فإن السنة إذا زار الرجل القبور مطلقا أن يسلم عليهم ويدعو لهم ، وكان النبي صلى الله عليه و سلم يخرج إلى أهل البقيع يسلم عليهم " انتهى من " الرد على البكري" (1/107) .
وقال شيخ الإسلام أيضا :" فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء و الصالحين : اللهم إني أسألك بفلان ، أو بجاه فلان ، أو بحرمة فلان ؛ فهذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ، وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز ... فكيف يقول القائل للميت : أنا أستغيث بك ، وأستجير بك ، وأنا في حسبك ، أو : سل لي الله ، ونحو ذلك ؟
فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة ، ولو قدر أن له تأثيرا ؛ فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح ، بل مفسدته راجحة على مصلحته ، كأمثاله من دعاء غير الله تعالى ؟!! " .
ثم قال : " ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم ، بل ومن هو دونه ، حي يسمع كلام الناس ، كما قال صلى الله عليه وسلم ... ( ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا ، فيسلم عليه ، إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه ) رواه ابن عبد البر و صححه .
لكن في مسألتهم [ يعني : في سؤال الأموات ] أنوا ع من المفاسد ؛ منها إيذاؤهم له بالسؤال ، ومنها إفضاء ذلك إلى الشرك ، وهذه المفسدة توجد معه بعد الموت دون الحياة ؛ فإن أحدا من الأنبياء الصالحين لم يعبد في حياته ؛ إذ هو ينهى عن ذلك ، وأما بعد الموت فهو لا ينهى ، فيفضي ذلك إلى اتخاذ قبره وثنا يعبد ... " انتهى من "تلخيص الاستغاثة" (1/452-454) .
فتبين أن حياة الأنبياء لا تستلزم أنهم يسمعون كل شيء ، وأن سماعهم للقريب لا يستلزم سماعهم للبعيد ، وأن سماعهم في القبور ، لا يعني أن هذا أمر خاص بهم ، إذ قد ورد أن غيرهم يسمعون أيضا ، كما يسمع الميت سلام قريبه من أهل الدنيا ؛ بل روى البخاري (3976) ومسلم (2875) عَنْ قَتَادَةَ قَالَ ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ، ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ ، وَقَالُوا : مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ : يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ ، وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ : أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؛ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا ؛ فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟! قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا ؟!.
وعنه رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أتيت على موسى ليلة أُسريَ بي عند الكَثِيب الأحمر وهو قائم يُصلِّي في قبره) رواه مسلم وفي رواية: (لما أسري بي مررت على موسى وهو قائم يُصلِّي في قبره) رواه أحمد.
والظاهر أن هذه الصلاة ليست خاصّة بموسى عليه السلام، فقد ثبتت عن جماعةٍ من الأنبياء عليهم السلام، بدليل ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (..وقد رأيتُنِي في جماعة الأنبياء، فإذا موسى قائم يُصلِّي، وإذا عيسى بن مريم قائم يُصلِّي، وإذا إبراهيمُ قائم يُصلِّي، أشبه الناس به صاحبكم -يعنى: نفسه- فحانت الصَّلاةُ فأممْتُهم) رواه مسلم.
لا شك أن لهذه الصلاة دلالةٌ عظيمةٌ على خصوصيّة العلاقة القائمة بين الأنبياء عليهم السلام وبين ربّهم تبارك وتعالى؛ فإن من المقرّر انتفاء التكليف وانتهاء العمل بمفارقة الروح للبدن، إلا أن أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليست بمعطلة عن العبادات الطيبة والأفعال المباركة، بل هم مشغولون في قبورهم أيضا كما كانوا مشغولين حين حياتهم.
وبهذا يكون عمل الأنبياء من جنس تشريف الملائكة بالعبادة، فالملائكة ليسوا بمكلّفين، بل هو نعيم محض يشبه تنعّم أهل الجنّة بالتسبيح رغم انقضاء الدنيا التي هي دار العمل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " هذه الصلاة ونحوها مما يتمتع بها الميت ويتنعم بها كما يتنعّم أهل الجنة بالتسبيح ، فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهم الناس في الدنيا النَّفَس ؛ فهذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب له ثواب منفصل ، بل نفس هذا العمل هو من النعيم الذي تتنعم به الأنفس وتتلذذ به ".
قد يستشكل البعض قيام الأنبياء عليهم السلام بالصلاة في قبورهم رغم مفارقة الروح لأبدانهم، أو العجز عن الجمع بين إثبات هذه الصلاة وبين قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، وعلم يُنتفع به، وولد صالح يدعو له) رواه مسلم.
أما الجواب عن الأولى بأن يُقال: إن الكلام عن أمور العقائد وإثبات قضاياها مرهونٌ بصحّة الخبر، ونحن نستقي العقائد من الأخبار، فمتى صحت لزم القولُ بمضمونِها، والإيمان بها كما هو شأن المؤمن في المسائل العقديّة.
وقد خطّ الأئمة في ذلك منهجاً راسخاً تجاه ما جاءت به النصوص الصحيحة وضرورة التسليم لها، فهذا الإمام ابن حجر المكي يقول: "وما أفاده –أي الحديث- من ثبوت حياة الأنبياء حياة بها يتعبّدون ويصلون في قبورهما مع إستغنائهم عن الطعام والشراب كالملائكة أمرٌ لا مِرْية فيه"، وذكر البيهقي أن صلاة الأنبياء في أوقات مختلفة وفي أماكن مختلفة لا يردّه العقل وقد ثبت به النقل، فدل ذلك على حياتهم.
ولا شك أن إثبات هذه الصلاة لا تترتّب عليه استحالةٌ عقليّة، لأن الله سبحانه وتعالى على كلّ شيء قدير، فجائزٌ عقلاً أن تكون للأنبياء صلاةٌ خاصّةٌ لا ندرك طبيعتها ولا يمكن رصدها منّا نحن معاشر الأحياء، فدارُ البرزخ هي حياةٌ أخرى لها طبيعتها وقوانينها الخاصّة فلا تُقاس على دار الدنيا.
وإذا كان الاستشكالُ حاصلاً من جهة الجمع بين حقيقة الموت المقتضية لمفارقة الروح للبدن، وبين القيام بهذه الصلوات، فإنه يزول عند معرفة طبيعة العلاقة بين الروح والجسد في عالم البرزخ، فليس مغادرة الروح للجسد يعني بالضرورة عدم تعلّقها به على نحوٍ ما، بدليل عودة روح النبي –صلى الله عليه وسلم- إليه كي يردّ السلام كما صحّ بذلك الحديث، ولذلك فإن أرواح الأنبياء بعد مفارقة البدن هي في الرفيق الأعلى، وفي نفس الوقت: لها إشراف على البدن وتعلّقٌ به، كما قال ابن القيم: " من غلظت طباعه عن إدراك هذا ، فلينظر إلى الشمس في علو محلّها ، وتعلّقها وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان بها، وهذه النار تكون في محلها ، وحرارتها تؤثر في الجسم البعيد عنها ، مع أن الارتباط والتعلق الذي بين الروح والبدن أقوى وأكمل من ذلك وأتم ، فشأن الروح أعلى من ذلك وألطف ".
ثم إن هذه الحياة المذكورة للأنبياء عليهم السلام ولغيرهم في البرزخ لا يراد بها الحياة الحقيقية الكاملة التي نعرفها، بل هي حياةٌ خاصّة غير خاضعة للمألوف، فلا يُقاس عليها ما نعرفه في عالم الشهادة.
اقرأ أيضا:
ما الحكمة من جعل الله لكل أمة شريعة مختلفة عن الأمم الأخرى؟ (الشعراوي يجيب)اقرأ أيضا:
سورة في القرآن نزلت بهذه النصائح لفك الكرب وراحة البال