يقول المولى عز وجل في كتابه الكريم: « فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا » (الشرح: 5 )، ومن ثم إذا تعرض أي امرئ مسلم لأزمة ما، أو بلاء ما، فعليه أن يقول (مع العسر يسرا) وليس (بعد العسر يسرا) .. أي ليس بعد أن تنتهي الأزمة، وتمر العاصفة، وينجلي الغبار سيظهر اليسر.. لأن اليسر موجود مع العسر .. في معيته .. وفي قلب الحدث.
في هاتين الآيتين ما فيهما من تأكيد معية الله عز وجل للنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ولأتباعه، من وعد صادق بأن كل صعب سيلين لا محالة، وكل شديد يهون، وكل عسير يتيسر، طالما صبر الإنسان الصبر الجميل، وتسلح بالعزيمة القوية، وبالإيمان العميق بقضاء الله تعالى وقدره، فإن كل عسير سيمر كما لو أنه لم يأتِ من أساسه.
الربوبية الحقة
عليك أن تعي جيدًا أن تحول الظروف من أحسن لسيء أو العكس، إنما هو أكبر دليل على الربوبية الحقة، فإذا كان الإنسان موقنًا في الله، سيصبر في كل الأحوال، ولن تتزحزح عزيمته، لأن لله سبحانه وتعالى ألطاف لا يدركها جميع خلقه، وحكم يجهلها الكثير أيضًا، لذا يكثر فيهم اللوم والسخط، ويقل فيها الرضا والشكر.
لذا قال الله تعالى: « وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ » (سبأ: 13)، كما أنه أيضًا من سننه جل وعلا أن جعل الفرج مع الكرب، واليسر مع العسر، ويخرج من المحن منَحًا، وتلك السنة تربي الخلقَ على القرب من الله تعالى، فإذا ما طغى الإنسان بعدما عاش في يسر عظيم، يأتي العسر ليفيق ويعود إلى رشده، وهذه امتحانات واختبارات يوقعها الله عز وجل في الناس ليميز الخبيث من الطيب، والقوي الإيمان من الضعيف.
اقرأ أيضا:
لماذا وقعت رحلتا الإسراء والمعراج.. تعرف على أهم الأسبابلن يغلب عسر يسرين
إذن، اليقين في الله هو أول الطريق للنصر على أي عسر مهما كان، وقد ذكر الله ذلك في كتابه، فقال تبارك وتعالى: « سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا » (الطلاق: 7)، فيما جاء في الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لو كان العُسْرُ في جُحرٍ لتَبِعَهُ اليُسْر، حتى يَدخُلَ فيه فَيُخْرِجَه، ولن يغلِبَ عُسرٌ يُسرَيْن».
فإذا نزلت الابتلاءات بالناس، تمعن الله الشديد منهم والموقن في الله من غيره، فتكون النجاة لمن صبر، والخسارة لمن اعترض، كما قال تعالى عن السابقين منهم: « مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » (البقرة: 214)، لأنه مهما طال البلاء لابد من يوم تتفتح فيه نسائم الفرج، ويبعث الله فرجه على كل مؤمن، وينشر فضله وخيره.
قال تعالى: «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ » (يوسف: 110).