في ليالي هذا الشتاء القارس، عليك أن تنظر حولك، فإذا كان تستلقي تحت (البطانية)، بينما هناك من يعيش في العراء، ولا يجد قوت يومه، بل لا يجد ما يداري عراه، فعليك أن تشكر الله شكرًا كثيرًا، لأنك في نعيم كبير وعظيم، محروم منه الملايين.
وفي ذلك يقول أحد الصالحين لـ ابنه: «يا بُني ؛ إذا مرّ بك يوم وليلة قد سلِم فيها دينك وجسمك ومالك وعيالك فأكثر الشكر لله تعالى ، فكم من مسلوب دينه ومنزوع ملكه ومهتوك سِتره ومقصوم ظهره في ذلك اليوم ، وأنت في عافية».
الشتاء موعظة
الشتاء إنما هو الموعظة للمؤمنين، ذلك أنه في شدة البرد عبرة وعظة لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر.
عنِ الزهري، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع أبي هريرة رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: أَيْ رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ؛ نَفَسٌ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفْسٌ فِي الصَّيْفِ، وَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ».
فمن وقف عند هذا الحديث وتأمل كان ذلك تشجيعًا وتصبيرًا له على العبادة؛ حتى يسلم مِن زمهرير جهنم وحرها، وقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل النار وما يتعرضون له من عقاب أليم بقوله: « لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا ﴾ [النبأ: 24 - 26]، وقال الله تعالى: ﴿ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ » (ص: 57).
اقرأ أيضا:
لماذا وقعت رحلتا الإسراء والمعراج.. تعرف على أهم الأسبابالتذكير بالآخرة
فالشتاء يذكر المؤمن بحال غيره من الناس المحرومون، من الدفء، سواء من اللاجئين أو الفقراء في شتى أنحاء الأرض، فقد روى ابن أبي الدنيا في كتابه "صفة النار" أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «يستغيث أهلُ النار من الحر، فيُغاثون بريح باردةٍ يصدِّع العظامَ بردُها فيَسألون الحر»، فيما أخرج أبو نعيم في كتابه "حِلية الأولياء" عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن كعبًا رضي الله عنه قال: «إن في جهنم بردًا هو الزمهرير، يُسقط اللحمَ حتى يَستغيثوا بحر جهنم».
ولعل الأمر بالتأكيد لا يصل إلى هذا السوء، لكن الكثير من الناس يعيشون بردًا قاسيًا، بينما أنت تتلحف بالبطاطين والملابس الثقيلة، فضلا عن أنك تعيش داخل منزلك بعيدًا عن هذا الهلاك، أوليس كل ذلك يستحق منا الحمد والشكر على نعم الله علينا التي لا تحصى.. بالتأكيد تستحق، وبات علينا ألا تصمت ألسنتنا عن كلمات الشكر لله عز وجل.