عظيم جدًا هذا الدين الذي اهتم بكل كبيرة وصغيرة، ولم يترك (مدخل إبرة) في قضية من القضايا إلا وسدها بالحجج والأسانيد، ولعل أبرز ما يميز هذا الدين وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بـ(التكافل الاجتماعي وحُسن الجوار).
عن سيدنا أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: «إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني: ( إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيتٍ من جيرانك فأصبهم منها بمعروف ) ».. ودائما ما كان أبو ذر يستعمل هذه الصفة في حق سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم (خليلي)، أي أن محبته قد تخللت القلب وأصبحت متخللة في كل خلايا الجسد ، هذا معنى كلمة خليلي من تخلل المحبة في أبي ذر.
أعظم وصية
وترى سيدنا أبا ذر يقول (أوصاني خليلي) وهذه هي الوصية التي تلقى إليها الأذن صاغية، (إذا طبخت مرقة)، وهنا انظر عزيزي المسلم إلى البساطة وإلى العمق - إذ أن كل واحد منا يستطيع أن يفعل هذا - ذلك أن المرق إنما هو لحمة وعليها ماء ، فأكثر ماءها يعني بدلا من أن تجعل هذا المرق يكفيك وحدك فقط، فأكثر منه، وأكثر من الماء، لتصير في النهاية مرقًا أيضًا، طالما طالها بعض اللحم، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف، يعني إهداء بعض المرق يصير معروفًا وبِرًا ، ويصير صلة بيني وبين الجار، يقول صلى الله عليه وآله وسلم « لازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه »، فهذا الصحابي الجليل فهم من هذا الحديث أنه يقصد عموم الجار سواء أكان مسلم أو غير مسلم سواء أكان يهوديًا أو نصرانيًا أو لم يكن كذلك ، فقد فهم أن المقصود ( عموم الجار ).
اقرأ أيضا:
هؤلاء فقط من يصلون إلى السعادة في الدنيا والآخرةعنوان الأمة المتماسكة
فالتكافل الاجتماعي إنما هو عنوان الأمة المتماسكة والمترابطة، والتي تظهر بأنها على قلب رجل واحد، ومن ثمّ، وبما أن يد الله مع الجماعة، فإن هذه الأمة لا يمكن أن يصيبها سوء، بل تواجه كافة الأعاصير وتتلاطمها الأمواج، إلا أنها تخرج بمعية الله وفضله وكرمه دون أن يصيبها شيء، ذلك أنها كانت أمة متعاونة، ويحب الجميع فيها الخير للجميع، وهذا التكافل لا يبرز بأسمى صوره، إلا كلما تعمقت معاني الأخوة والإيثار، واندثرت جذور الأنانية والاستئثار، ومما يمكن أن يتميز به مجتمع المسلمين من صور التكافل: إعانة المدين ( الغارم ) بسداد دينه، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح الله عليه الفتوح، واستغنى بيت مال المسلمين، قال: « أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين، فترك دينا، فعليّ قضاؤه».
وقد بلغ من تكافل النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه كان يتفقد صحابته الذين لا يراهم، ويسأل عن مشاكلهم، وأمثلة ذلك في السنة كثيرة، منها ما ورد في قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه، وفي آخرها أنه جاءت النبي صلى الله عليه وسلم من بعض المغازي مثل بيضة الدجاجة من ذهب، فتذكر سلمان، وأنه بقي عليه مال ليُعتق نفسه، فقال: ما فعل الفارسي المكاتَب؟ فأرسل إليه واستدعاه، فلما جاء قال له: « خذ هذه. فأدّ بها ما عليك يا سلمان»، قال سلمان: ( فأوفيتهم حقهم وعُتقت فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق ثم لم يفتني معه مشهد).