بقلم |
فريق التحرير |
السبت 16 مايو 2026 - 04:50 م
مع اقتراب العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، يتجدد سؤال يتكرر كل عام بين المسلمين: هل يُشرع صيام هذه الأيام المباركة؟ وهل ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يصومها؟
ويزداد الجدل بسبب وجود بعض الأحاديث التي ظاهرها إثبات الصيام، وأخرى قد يُفهم منها عدم صيام النبي ﷺ لهذه الأيام.
وفي الحقيقة، فإن العلماء تناولوا هذه المسألة بالبحث والبيان، وخلص جمهورهم إلى استحباب صيامها، مع توضيح كيفية الجمع بين الروايات الواردة في ذلك.
فضل العشر الأوائل من ذي الحجة
قبل الحديث عن الصيام، لا بد من التذكير بعظمة هذه الأيام المباركة، فقد قال النبي ﷺ:
«ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» يعني أيام العشر.
وهذا الحديث أصل عظيم في فضل هذه الأيام، ويدخل فيه الصيام باعتباره من أجلِّ الأعمال الصالحة وأحبها إلى الله تعالى.
كما أقسم الله بها في قوله سبحانه:
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وهو قسم يدل على شرف الزمان وعظيم منزلته.
هل ثبت صيام النبي ﷺ للعشر؟
وردت أحاديث تدل على أن النبي ﷺ كان يصوم تسع ذي الحجة، منها ما روي عن بعض أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أن النبي ﷺ كان يصوم هذه الأيام.
وفي المقابل، ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها قولها:“ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا العشر قط”.
وهنا ظن بعض الناس أن الأحاديث متعارضة، لكن العلماء جمعوا بينها بعدة أوجه.
كيف جمع العلماء بين الأحاديث؟
بيّن أهل العلم أن حديث السيدة عائشة رضي الله عنها لا يدل على نفي مشروعية الصيام، وإنما غايته أنها لم تر النبي ﷺ يصوم العشر.
وقد يكون النبي ﷺ صامها أحيانًا وتركها أحيانًا:
بسبب السفر.
أو المرض.
أو الانشغال.
أو خشية أن تُفرض على الأمة.
كما أن عدم رؤية عائشة رضي الله عنها للصيام لا يعني عدم وقوعه؛ لأن غيرها من أمهات المؤمنين نقل إثبات الصيام.
ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن صيام التسع الأوائل من ذي الحجة مستحب استحبابًا مؤكدًا.
لماذا يُستحب الصيام في هذه الأيام؟
لأن الصيام يجمع بين:
فضل العبادة نفسها.
وفضل الزمان المبارك.
وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي:
«كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».
فإذا اجتمع فضل الصيام مع فضل عشر ذي الحجة، كان الأجر أعظم والثواب أكبر.
صيام يوم عرفة.. أعظم أيام الصيام
ويُعد يوم عرفة أهم أيام العشر بالنسبة للصيام لغير الحاج، فقد قال النبي ﷺ:
«أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده».
أما الحاج، فالسنة في حقه أن يفطر يوم عرفة؛ حتى يكون أقوى على الدعاء والذكر والوقوف بعرفة.
هل يجب صيام الأيام التسعة كلها؟
الصيام في العشر مستحب وليس واجبًا، فمن استطاع صيام الأيام التسعة كلها فذلك خير عظيم، ومن لم يستطع فليصم ما تيسر له، وخاصة يوم عرفة.
ولا ينبغي أن يتحول الأمر إلى تضييق أو تشدد، فالمقصود اغتنام الموسم بالطاعة قدر الاستطاعة.
أعمال أخرى تُستحب في العشر
لا يقتصر فضل العشر على الصيام فقط، بل يُستحب فيها:
الإكثار من الذكر والتكبير.
قراءة القرآن.
الصدقة.
قيام الليل.
صلة الأرحام.
الدعاء والاستغفار.
الأضحية لمن استطاع.
فهي أيام جامعة لأمهات الطاعات.
اتفق العلماء على فضل العشر الأوائل من ذي الحجة وعظمة العمل الصالح فيها، وذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب صيامها، وخاصة يوم عرفة، لما ورد في ذلك من النصوص الصحيحة وعموم الأدلة الدالة على فضل العبادة في هذه الأيام المباركة.
ويبقى الأهم أن يستقبل المسلم هذه الأيام بقلب حاضر ونية صادقة، وأن يجعلها فرصة للتوبة وتجديد الإيمان والإقبال على الله تعالى، فربما كانت أيامًا تغيّر حياة الإنسان وتقربه من رحمة الله ورضوانه.