من جلسات الأصدقاء إلى مجموعات الهواتف.. لماذا يستهين البعض بذكر عيوب الآخرين؟
بقلم |
فريق التحرير |
الاثنين 26 اكتوبر 2026 - 05:15 م
قد تبدأ الغيبة في مجلس عائلي باعتبارها حديثًا عابرًا، أو في جلسة بين الأصدقاء على سبيل المزاح، ثم تنتقل إلى مجموعات التواصل الاجتماعي، حيث يعيد البعض نشر العبارات المسيئة أو يتداولون أخبار الناس الخاصة دون التحقق منها.
ومع تكرار هذه الممارسات، قد يعتاد الإنسان الحديث عن الآخرين في غيابهم، حتى يصبح كشف العيوب والتعليق على الحياة الشخصية للناس جزءًا من المجالس اليومية، دون إدراك كافٍ لما يترتب على ذلك من أذى اجتماعي ومسؤولية دينية.
وقد عالج الإسلام هذه القضية بوضوح، فحفظ للإنسان كرامته، ونهى عن تتبع عيوب الآخرين، وحذر من الكلام الذي ينال من أعراض الناس وسمعتهم.
القرآن الكريم يصور قبح الغيبة
جاء النهي عن الغيبة في صورة قرآنية شديدة التأثير، قال الله تعالى:
وتكشف الآية عن قبح هذا السلوك، إذ تجعل الاعتداء على سمعة الإنسان في غيابه أمرًا تنفر منه الفطرة السليمة، كما ينفر الإنسان من الصورة التي ضربها القرآن الكريم مثالًا للغيبة.
واللافت أن الآية جاءت ضمن مجموعة من التوجيهات التي تنهى عن السخرية والتنابز بالألقاب وسوء الظن والتجسس، بما يؤكد أن حماية المجتمع من الأذى اللفظي تبدأ من تهذيب النظرة إلى الآخرين، ثم ضبط اللسان، والابتعاد عن تتبع الأسرار.
فالإنسان الذي يتعود البحث عن أخطاء الناس، قد يجد نفسه سريع الحكم عليهم، قليل التماس الأعذار لهم، مشغولًا بنقائصهم عن إصلاح نفسه.
ما الفرق بين الغيبة والبهتان والنميمة؟
يعرّف النبي صلى الله عليه وسلم الغيبة تعريفًا واضحًا، ففي الحديث الذي رواه مسلم أنه قال لأصحابه: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذكرك أخاك بما يكره».
ثم بيّن أن ذكر الإنسان بما فيه من عيوب هو غيبة، أما إذا كان ما يقال عنه غير موجود فيه، فقد وقع القائل في البهتان.
وهذا التفريق مهم؛ لأن بعض الناس يظن أن حديثه عن عيب حقيقي لا يعد ذنبًا، مع أن وجود العيب لا يبيح ذكره في المجالس دون مسوغ شرعي.
أما النميمة فهي نقل الكلام بين الناس على وجه يفسد العلاقات ويثير العداوة، وقد تجتمع الغيبة والنميمة في موقف واحد، كما قد ينفرد كل منهما عن الآخر.
وتزداد خطورة هذه السلوكيات عندما ترتبط بالكذب أو اختلاق الوقائع أو نشر اتهامات تمس الأعراض والسمعة، لأن الأذى حينها لا يقتصر على مشاعر فرد واحد، بل قد يمتد إلى أسر وعلاقات ومصالح اجتماعية.
لماذا يستسهل الناس الحديث عن عيوب الآخرين؟
تتعدد الأسباب التي تدفع بعض الناس إلى الغيبة؛ فقد يكون الدافع الرغبة في التسلية أو جذب انتباه الحاضرين، وقد يكون الشعور بالغيرة أو محاولة التقليل من شخص ناجح، أو الانتقام ممن حدث خلاف معه.
وفي بعض المجالس، يشعر الإنسان أنه مطالب بالمشاركة في الحديث الدائر، فيساير الآخرين حتى لا يبدو مختلفًا عنهم، فيتحول الصمت عن الغيبة إلى أمر يحتاج إلى شجاعة أخلاقية.
وقد يبرر البعض كلامه بأنه لا يقول إلا الحقيقة، أو إن الجميع يعرفون الأمر، أو إن الشخص المقصود سبق أن أساء إليه.
لكن هذه المبررات لا تجعل الغيبة مباحة تلقائيًا، فالأصل هو صيانة الأعراض، مع وجود حالات استثناها العلماء بضوابطها، كالتظلم وطلب المشورة والتحذير من ضرر حقيقي، على أن يقتصر الكلام على القدر الذي تدعو إليه الحاجة، دون تشفٍّ أو مبالغة.
وسائل التواصل.. حين تتضاعف مسؤولية الكلمة
لم تعد الغيبة محصورة في المجالس المباشرة، بل أصبحت بعض صورها تنتشر عبر الرسائل والتعليقات والمنشورات والمقاطع المتداولة.
وقد يكتب شخص تعليقًا ساخرًا عن آخر، ثم يتولى عشرات المستخدمين إعادة نشره، فتتسع دائرة الأذى خلال ساعات، وربما يصعب محو أثره حتى بعد حذف المنشور الأصلي.
كما أن إعادة نشر كلام مسيء أو تداول اتهام غير موثق قد يسهمان في نشر الضرر، حتى لو لم يكن الناشر الأول هو صاحب الكلام.
وهنا تبرز أهمية التثبت قبل النشر، واحترام خصوصية الآخرين، والامتناع عن تحويل أخطائهم أو أزماتهم الشخصية إلى مادة للضحك والتشهير.
فليس كل ما يصلح للانتشار يصلح للنشر، وليس كل ما يعرفه الإنسان عن غيره من حقه أن يذيعه.
متى يجوز الحديث عن شخص في غيابه؟
لا يعني تحريم الغيبة منع الإنسان من الحديث عن كل ما يتعلق بالآخرين، فهناك مواقف تدعو فيها الحاجة إلى الكلام، مثل شكوى المظلوم لطلب حقه، أو استشارة شخص موثوق بشأن مشكلة واقعية، أو التحذير من ضرر محقق وفق الضوابط الشرعية.
لكن هذه الحالات لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة مفتوحة لتداول الأسرار أو التشهير بالناس.
فمن يستشير في مسألة زواج أو شراكة مالية، مثلًا، ينبغي أن يذكر المعلومات الضرورية لاتخاذ قرار سليم، دون التوسع في عيوب لا صلة لها بالموضوع.
ومن يطلب حقه لدى جهة مسؤولة، فله أن يوضح ما تعرض له بصدق، دون إضافة اتهامات لا يملك دليلًا عليها.
والقاعدة المهمة هنا أن يكون الكلام بقدر الحاجة، وأن يكون الهدف تحقيق مصلحة معتبرة، لا إشباع الرغبة في الانتقام أو الانتقاص من الآخرين.
كيف يتصرف المسلم إذا بدأ مجلس الغيبة؟
قد يجد الإنسان نفسه في مجلس يتناول فيه الحاضرون عيوب شخص غائب، فيشعر بالحرج من الاعتراض، أو يخشى أن يتحول موقفه إلى خلاف مع أصدقائه وأقاربه.
ويمكنه في هذه الحالة أن يغير مسار الحديث بطريقة هادئة، أو يذكر الحاضرين بضرورة حفظ الأعراض، أو يمتنع عن المشاركة في الكلام المسيء.
وإذا أمكنه الدفاع عن الشخص الغائب بذكر الحقيقة أو إزالة الظلم عنه، كان ذلك من حسن الخلق. أما إذا لم يستطع تغيير مسار المجلس، فعليه ألا يشارك في الغيبة، وأن ينصرف عنها إذا استمر الإيذاء ولم يجد وسيلة مناسبة لمنعه.
ولا يشترط أن يكون الاعتراض بصوت مرتفع أو بأسلوب يحرج الآخرين؛ فقد تكون العبارة الهادئة أكثر تأثيرًا، مثل: «دعونا نتحدث في شيء آخر، فنحن لا نعرف ظروفه كاملة».
كيف يتوب من اعتاد الغيبة؟
باب التوبة مفتوح، ومن أدرك أنه اعتاد الغيبة فعليه أن يتوقف عنها، ويندم على ما وقع منه، ويعزم على عدم العودة إليها، ويكثر من الاستغفار والعمل الصالح.
أما ما يتعلق بحق الشخص الذي اغتابه، فقد تناول العلماء هذه المسألة بالتفصيل، وراعوا اختلاف الأحوال وما قد يترتب على إخبار الشخص من ضرر جديد أو تجدد للخصومة. ولذلك لا يصح إطلاق حكم واحد على جميع الحالات دون اعتبار ملابساتها، ويمكن سؤال عالم موثوق عند الحاجة إلى معالجة واقعة بعينها.
ومن وسائل إصلاح النفس أن يتدرب الإنسان على عدم الحديث عن عيوب الناس، وأن يشغل المجالس بما ينفع، وأن يتذكر أن لكل إنسان ظروفًا وأخطاء قد لا يعلم الآخرون تفاصيلها.
كما ينبغي لمن نشر إساءة أو معلومة كاذبة أن يسعى إلى تصحيحها وإزالة الضرر بقدر استطاعته، وألا يكتفي بالاستغفار مع ترك آثار كلامه تنتشر بين الناس.
حفظ اللسان مسؤولية أخلاقية واجتماعية
إن الكلمة ليست أمرًا هينًا كما يظن البعض؛ فقد تحفظ علاقة، وقد تهدم أسرة، وقد ترفع إنسانًا أو تسيء إلى سمعته دون وجه حق.
والمجتمع الذي يشيع فيه احترام الخصوصية والتثبت من الأخبار يكون أكثر قدرة على حماية أفراده من الشائعات والعداوات، بينما يؤدي الاعتياد على الغيبة إلى تراجع الثقة بين الناس، ويجعل كل إنسان يخشى أن يتحول حديثه الخاص إلى مادة للتداول.
ولا يعني حفظ اللسان السكوت عن الظلم أو منع النصيحة الصادقة، وإنما يعني أن يتكلم الإنسان بقدر الحاجة، وأن يميز بين الإصلاح والتشهير، وبين التحذير المسؤول والانتقاص من الآخرين.
وفي النهاية، فإن من الحكمة أن يسأل الإنسان نفسه قبل أن يتحدث عن غائب: هل في كلامي فائدة حقيقية؟ وهل أقبل أن يقال عني الكلام نفسه في غيابي؟ وهل أستطيع تحقيق الغرض بطريقة لا تتضمن ظلمًا أو انتهاكًا للخصوصية؟
إن استحضار هذه الأسئلة قد يغير كثيرًا من عادات المجالس، ويجعل الكلمة أكثر مسؤولية، والعلاقات أكثر احترامًا، ويعين المسلم على صيانة لسانه وأداء حق الآخرين في الكرامة والاحترام.