في صناعة الأمل.. تعلم من الأنبياء كيف تغلبوا على المحن

الأربعاء، 13 يونيو 2018 01:24 م
فن صناعة الأمل

كثيرُ من الناس باتوا يتقنون تصدير التشاؤم إلى الآخرين، وقليل هؤلاء الذين يتعبّدون لله تعالى بصناعة الأمل في القلوب. ولسان حالهم في حركتهم وكلامهم: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} [يوسف: 87] وسمت حركاتهم بين الخلق: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 13]..

فمن المؤكد أن الأنفس المهزوزة والأيدي المرتعشة لا تقوى على البناء ولا تصنع حضارة ولا تشيد مجدًا.. ولذلك بات من المحتم في هذا الزمان صناعة الأمل وزرع التفاؤل برؤية واقعية من الإيمان واليقين بالله، مهما كانت طبيعة الدنيا التي نحياها الابتلاءات وكثرة المشكلات؛ لأن الله عز وجل بالأساس خلق الإنسان في تعب ومشقة؛ قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4].

غير أنّ السائر إلى الله تعالى لا يضيق صدره بطبيعة الحياة فيتألم أو ييأس من روح الله ورحماته؛ لأنه مؤمن بأنّ الأقدار والكون بيد الله تعالى، وعليه تزداد ثقته ويقينه في ربّه، كما تزداد همّته في العمل لصالح الدين والدنيا على السواء.. فحين اشتدَّت الهموم على الصحابة في بداية الدعوة الإسلامية لجأ أحدهم إلى القائد القدوة والداعية الأول (رسول الله) يشكو هَمَّه ويبثّ تخوفاته ويرصد له نفسيّة الكثير من أصحابه في وقت اشتدّ بهم الأذى والعنت والمشقة وهم لا زالوا في بداية طريق الدعوة.

فإذ بالداعية الأوّل يرسم له خريطةً ذهنيّة قد اشتملت على صورة من الماضي ترتبط بالحاضر وصورة من المستقبل الباهر القريب، فقال لصاحبه الخبَّاب يومهَا: (قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) [رواه البخاري في الصحيح]..

وحين وصل سراقة بن مالك إلى الرسول عند غار ثور وكاد أن يفشي سرّه، يعده النبي بسوار كسرى -مما يعد مستحيلا في ظننا وقتها- غير أنّ الله حقق له ذلك، حتى بعد موته عليه الصلاة والسلام.

وحين اعترض الصحابةَ صخرةٌ كبيرة عند حفر الخندق، حمل فأسه الشـريف، وأخذ يبث الأمل في النفوس المؤمنة، وتسمع الجموع صيحات التكبير والتفاؤل (الله أكبر) ويبشِّـر بفتح الشام واليمن وفارس... وهو المُحاصَر حينها من الأحزاب.. إنها رسالة إلينا جميعًا بأن نكون أقوى وأشد عند المشكلات والضيق والابتلاءات.

إنّنا حين ننظر إلى نبيّ الله يوسف نجده وقد أحاطت به المِحن من كل جانب، ولا يخرج من حفرة إلا وتجده قد وقع في حفرةٍ أعمق وألمٍ أشدّ.. فها هو يتنقّل من رؤيا منامية فيها بشـرى إلى محنة الغيرة والحسد الأخوي عليه، من رفقة أبيه وأهله إلى بئر عميق مظلم كاد أن يموت فيه لولا عناية الله، من إنقاذه إلى بيعه عبدًا رقيقًا في مصـر، ثم إلى المعيشة في بيت عزيز مصر، ومن المعيشة الهانئة إلى الإغراء والإغواء الفردي المباشر من امرأة العزيز، مِن شهادة شاهد من أهلها ببراءته إلى مراودة نسوة المدينة له، من الهناءة الظاهرة إلى الأسْر والسّجن، من باطن السجن والحرمان من لقاء الجماهير إلى دعوة فردية داخل السجن وهداية الناس على يديه وتفسير رؤيا الملك حتى البراءة الواضحة والخروج من السجن إلى الملك، ومِن المُلك إلى حرب نفسية في مشاعره نحو إخوته الذين آذوه وفرّقوا بينه وبين أبيه وأخيه.

فأننا بعد ذلك كله يمكن أن نُلخَّص قصة نبي الله يوسف في آية واحدة بل نهي واحد ورد في سورة الكريم يوسف؟ ألا وهي: (ولا تيأسوا).. يقول الله تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] قالها يعقوب وهو الذي فقد ابنه الحبيب، وفقد ابنه الآخر، وفقد عيناه، وفقد وحدة أبنائه ومحبتهم لبعضهم، قالها وهو يثق في أنّ الله لن يخذله.

فعلى من ييأس أن يتذكر فتى الأخدود وما حدث معه من ابتلاءات وصلت حد قتل 13 ألف من أهل قريته، إلا أنه صبر حتى نصـر الله به دعوة الحق وقضـى به على دعوة الباطل والظلم.. وعليه أن يتذكر أيوب عليه السلام، وقد اشتد به المرض زمنًا طويلا: ثم شكا إلى المولى ففرَّج عنه وعافاه.. وعليه أيضًا أن يتذكر سيدنا يونس عليه السلام، وقد رقد في مكان لم يصل إليه غيره "بطن الحوت"، فعافاه الله من أن يهشم له الحوت عظمًا أو يأكل له لحمًا.. وأن يتذكر سيدنا زكريّا عليه السلام، كبير السّن وقد أصاب زوجه العقم، غير أنه صبر ودعا الله فرزقه بالولد.

قد يقول البعض، هؤلاء أنبياء، وتلك معجزات.. غير أنه ومن عافاهم جميعًا، أليس هو الله عز وجل، وهو موجود في كل عصر وزمان وقادر على إحداث التغيير في حياة الجميع في أي وقت.. فقط نتوكل عليه ونجتهد ما بوسعنا وهو عليه كل العطاء والمنح.

يقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] استفد من نبي الله موسى حين التقى الجمعان وباتت نبرات اليأس تتناقل في الأرجاء (إنّا لمُدركون) فقل بنفس راضية وبقلب قوي: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}. واقرأ سيرة حبيبك المصطفى ستجد الشفاء والدواء.

فمن رضي بالله ربًّا أيقن أنّه حكيم في قضائه وقدره، وأنه ما ابتلى أو أخّر نصرًا إلا لحكمة، قال تعالى: {مَا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179].. يقين يقودك إلى حُسْن الظنّ به يزع الأمل في قلبك ويزيل آثار اليأس والتشاؤم. يقين يجعلك ترى من باطن الشدة فرجًا، ومع العسر يُسرًا، وتشمّ رائحة الخير من باطن الشـرّ، قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216].

اضافة تعليق