لا توجد شريعة من شرائع الإسلام مستمرة في الدنيا ولا الآخرة غير " النكاح". فالزواج هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها لزيادة النسل وعمارة الأرض. وهو من سنن المرسلين، فقد أمرت كافة الرسالات السماوية بالزواج وحضّت عليه، كل إنسان قادر.
الودود الولود:
روى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ– رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي أَحبَبتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَال ٍوَإِنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: "لَا" ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: "تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ".
حكم نبوية:
1-النبي صلى الله عليه وسلم بيّن الحكمة من الزواج، وهي ليس فقط درء الفتن وعصمة الناس من الوقوع في الخطيئة، والاستمتاع بين الرجال والنساء فيما أخله الله، ولكن أيضا الزواج من أجل تحقيق الهدف الأسمى في الحياة، وهو الإنجاب والتكاثر وعمارة الأرض. 2- لو تزوجها يكون قد أرضى نفسه من جانب وأساء إليها من جانب آخر، وأساء إلى أهله أيضاً؛ فإنهم ينتظرون بشغف ولهف ما ينتجه الزواج من نتاج لا يقاس بمُلك الدنيا عند أبويه وجده وجدته على وجه الخصوص، وعند أعمامه إنه حائر، لا يدري ماذا يفعل. نهاه رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –عن ذلك لأن الرجل لا يلبث أن تزداد حيرته، فبعد أن كانت بين أمرين صارت بين ثلاثة أمور: 1-أيطيع نفسه وهواه فيتزوجها وليكن ما يكون؟ 2- يطيع نداء العقل وغريزة حب الأبناء فيعدل عنها إلى غيرها؟ 3- يراجع الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لعله يرضى؟. فعاد إليه يكرر عليه السؤال وهو يطمع في أن يأذن له فيعتبر الإذن بمنزلة الواجب، فيقبل على الزواج منها وإن رغب في الولد تزوج بأخرى، لكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينهاه عن الزواج منها، فكان عليه أن ينتهي، ولكن الحب جنون، فجاءه مرة أخرى يسأله هذا السؤال، فقال عليه الصلاة والسلام: "تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ". فكانت هذه الوصية قاطعة في النهي عن الزواج من العقيم التي لا تلد، ليس إساءة لها ولكن حفاظا عليها من أن تصبح غير مرغوب بها بعد ذلك نتيجة شهوة الرجال في الرزق بالمولود الذي يحمل اسمه من بعده. فكانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم له ولغيره من المسلمين، وعلل النهي برغبة الإسلام في تكثير النسل، لكنه أسند الرغبة لنفسه؛ ليكون النهي أوقع في النفس، وإلا فإن الرسول– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لا يكون هواه إلا تبعاً لما جاء به. فكل نبي يفخر يوم القيامة بأتباعه مداعبة لإخوانه من الأنبياء، وهو يوم السرور لجميع المؤمنين من كل أمة، والأمر في هذه الوصية يبدو أنه للوجوب.
حقوق مشتركة بين الزوجين:
شرع الله الزواج ووضع له نظاماً دقيقاً محكماً يكفل لكل من الزوجين حقه على الآخر في ظل المودة والرحمة، وحثهما على الإنجاب بأسلوب يفصح عن مدى الحاجة إليه والرغبة فيه، والتمتع به والشكر عليه. فوائد وخواطر: قال تعالى: { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } (سورة البقرة: 223). 1-فقوله تعالى: { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ }. فالحرث أرض صالحة للزراعة، والأمر بإتيان الحرث أمر بزراعتها، فما أشبه المرأة بالأرض الخصبة، وما أشبه ماء الرجل بالماء الذي يسقي الأرض ويكون سبباً في إحيائها بالنبات الحسن. 2- أمر الله بإتيان النساء بعد الطهر من الحيض مباشرة لتحقيق هذا المطلب، فقال في الآية التي قبلها: { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ } (سورة البقرة: 222)؛ لأن البويضة تتزل عقب الطهر لتتلقي بالحيوان المنوي الذي يتدفق مع المني بطريقة تثير الإعجاب وتبعث على الدهشة والاعتبار. 3- قال الله عز وجل: { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } (سورة الكهف: 46). 4- وصف الله تعالى الذرية الصالحة بـ "قرة الأعين"، فقال: { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } (سورة الفرقان: 74).
الولد أعظم هبة في الوجود:
لما كان الولد من أعظم المطالب كما ذكرنا عبر الله عنه بالهبة فقال: { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ } (سورة الشورى: 49). 1-قال تبارك وتعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: { رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } (سورة الصافات: 100). 2- وقال في شأن أيوب عليه السلام: { وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ } (سورة ص: 43).
حكمة عامة:
أما الزواج من المرأة بشكل عام حتى ولو لم تلد جاء على الندب لأسباب منها أن الكفالة الاجتماعية تقتضي أن يكون للمرأة زوجاً يكفلها وينفق عليها ويعفها ويصون عرضها، فلو عدل الرجال عن الزواج منها ضاعت وضاع الكثيرات من أمثالها، فحاجتها إلى الزواج متعددة الجوانب لا تجدها إلا مع رجل تسكن إليه ويسكن إليها، ويأنس بها وتأنس به، ويكون كلاً منهما لباساً للآخر وستراً له. وهناك من الرجال من لا ينجب لكبر سنه أو لآفة فيه، وهناك من الرجال من لا تكون له رغبة في الإنجاب؛ لأنه كثير الأسفار أو فقير الحال أو مشغول بطلب العلم، أو لأي سبب من الأسباب أو مانع من الموانع. لماذا أمر النبي بالزواج من الودود الولود؟ الودود بطبعها تكن محبة لزوجها لا بالتصنع والتكلف؛ فإن التصنع في الود والتكلف في إظهاره سرعان ما يكتشف زيفه فتقف من زوجها وأهله موقف الخزي والهوان وينقلب الحال وتسوء العشرة؛ لأن الطبع يغلب التطبع. والرجل العاقل هو الذي يتخير من النساء من حسنت طباعها واشتهرت بالخلق الفاضل والسلوك النبيل، ويعرف ذلك منها بالنظر الدقيق في أقوالها وأفعالها وسيرتها بين المقربين إليها. وقد وصفها النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بأوصاف جامعة لهذه الخصال كلها فقال: "مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ عز وجل خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ".
المرأة الولود:
هي التي يكثر نسلها، بمعنى أنها تلد في السنة مرة فتسعد زوجها بذلك ولاسيما إن ولدت ذكراً، فالعرب كانوا – ولا يزالون – يحبون الذكور أكثر من حبهم للإناث، مع أن في الإناث خيراً لأبويهن في الدنيا والآخرة، لو كانوا يعلمون. وكثرة الولادة قد تدل على وفور الصحة وسلامة الجسم، وغالباً ما تكون الولود شابة أو في متوسط العمر. والرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُرغب في الزواج منها من أجل تكثير النسل الصالح، الذي يباهي به الأمم يوم القيامة. أما النسل الفاسد فليس له بالرسول– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صلة؛ فهو لا يعرف الرسول، ولا الرسول يعرفه، فهم غثاء كغثاء السيل، ليس فيهم من الإسلام حبة خردل، قلتهم خير من كثرتهم؛ لأن كثرتهم وبال على المجتمع المسلم ودمار للمباديء الخلقية والقيم المثالية.
الزواج هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها لزيادة النسل وعمارة الأرض، وقد أمرت كافة الرسالات السماوية بالزواج وحضت عليه، واعتبرته فرض عين على كل إنسان قادر، بل أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ– رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي أَحبَبتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَال ٍوَإِنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟