لاشك أن كثيرًا من الناس يواجهون بعضهم ببعض الأسئلة التي يكون من الصعوبة بمكان، الإجابة عليها، ومنها: (ما هي الحكمة من الاختيار طالما كل شئ مُقَدر )؟.. ومتى يكون من الضرورة أن نتخذ قرار التغيير.
بداية علينا أن نعي جيدًا أن هناك رب يملك كل شيء، ويتحكم في كل شيء، وعلينا الخنوع لذلك تمامًا، إذن طالما هو منحنا حرية الاختيار، فعلينا ذلك، لكن بما يدور في فلك شرعه وأوامره ونواهيه، أما إذا وقع علينا بلاء ما، وبالتأكيد لا أحد الابتلاءات، علمنا ربنا أن نلجأ إليه بالدعاء، ولا نيأس، بل نتذلل ونتضرع ليل نهار، فالسؤال والتضرع أحد مظاهر فقر الإنسان للغني الكامل عز وجل ، يرافقها الحب والتعظيم له سبحانه.. فتكون النتيجة لاشك التغيير منه لنا إلى الأفضل، بل إلى ما نريده نحن تمامًا.
اقرأ أيضا:
سنة مهجورة استحق بها سيدنا بلال دخول الجنة.. ماذا فعل؟هكذا يكون الطريق
أما الطريق إلى الاختيار الصحيح، فقد علمنا الله سبحانه وتعالى ذلك، فقال في أكثر من آية كريمة بالقرآن الكريم، علينا بالدعاء، ومن ذلك قوله تعالى: «وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ » (النساء/32) ، ويقول سبحانه أيضًا: « ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » (الأعراف/55 )، ويقول جل وعلا : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » (فاطر/15 ).. فلا أحد يختلف معك أن كل شيء مقدر عند الله سبحانه ، ومكتوب في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، ولكن الذي فاتك أن تتعرف عليه في سؤالك : أن الله سبحانه وتعالى لم يكتب لك أنه يعطيك أو لا يعطيك فحسب ، بل إذا قدر لك العطاء ، فسيقدره مقرونا بسببه ، بمعنى أن الله إذا قدر لك الزواج مثلا ، فسيكون مكتوبا عنده أنك تبذل من الأسباب ما يوصلك لهذا الشيء المقدر. إذن عليك في كل أمر أن تبذل الجهد، وحينها سيكون باختيارك المصحوب بالجهد تصل إلى ما تريد.
الجهد والمكتوب
قد يتحاذق بعضهم، ويسألك يومًا، إذا كان مثلا الطعام والشراب مقدرا لي أيضا ، فلن أسعى لرزقي ، فما هو مكتوب علي سيأتيني لا محالة ، سواء سعيت له أم لا !! فبماذا تجيبه ؟!!.. وهنا تجيبه بأنه إذا أكل أو شرب فذلك مقدر مكتوب ، لكنه مكتوب مع سببه ، وهو أنه لابد له أن يقوم مثلا لتحضير الطعام أو أن يشتريه أو أن يعمل على كسب الرزق لتحصيله ونحو ذلك من الأسباب ، كلها تؤدي إلى المسبب ، وكل ذلك بقدر الله سبحانه.. إذن الكتابة ليست للنتائج فحسب ، بل للأسباب أيضا ، فإذا لم تبذل السبب لن تتأتى النتيجة أبدًا..
وليعلم الجميع أن الله سبحانه خلق الأسباب والمسببات، وجعل هذا سببا لهذا، فإذا قال القائل: إن كان هذا مقدرا حصل بدون السبب ، وإلا لم يحصل ؟!.. نقول: إنه مقدر بالسبب ، وليس مقدرا بدون السبب ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ؛ وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم » ، وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم : « اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة . وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة».