شارك الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية د. نظير عياد في الحلقة النقاشية حول الأديان والأوطان (المواطنة)، والتي نظمتها مكتبة الإسكندرية بمقر المكتبة بالقرية الذكية؛ وذلك بمشاركة د. علي جمعة مفتي الجمهورية السابق، د. مصطفى الفقي مدير مكتبة الإسكندرية، والأنبا إرميا رئيس المركز الثقافي الأرثوذكسي، د. مجدي عاشور المستشار العلمي لمفتي الجمهورية، وعدد من القيادات الدينية، وعدد من أساتذة الجامعات.
تناولت الحلقة مناقشة مفهوم"المواطنة" من وجهات نظر متعددة، من خلال طرح الإشكاليات الراهنة، وسبل حلها والتغلب عليها، وترسيخ مفهوم التعايش السلمي المشترك في المجتمع المصري؛ من أجل بناء الدولة المصرية.
وقال الأمين العام، في كلمته إن هذا الملتقى من الأهمية بمكان؛ حيث يأتي في وقت مهم نحتاج فيه جميعا إلى إعلاء مفهوم قيمة الوطن والمواطنة والعمل المشترك من أجل بناء مستقبل مشرق، وهي مفاهيم جميعها أكدت عليها النصوص الدينية المتعددة عندما تطرقت إلى احترام الإنسان بغض النظر عن دينه أو لونه أو عرقه أو جنسه.
أضاف عيّاد أن مبدأ المواطنة في الإسلام ينبني على عدة أسس أهمها: الوحدة الإنسانية، وحرية الاعتقاد، والعدالة والمساواة في الحقوق والواجبات، فالإسلام قد اهتم بالمواطنة الشاملة وركز عليها تشريعًا وتطبيقًا، كما ركز عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- في تعاملاته المختلفة مع الآخرين.
أوضح الأمين العام أن كل صاحب عقل سَوي وفطرة نقية وفكر مستقيم، يعلم تمام العِلم أن قضية الوطن وما تفرَّع عنها من مفهوم المواطنة في المقام الأول فطرة إنسانية، وجِبلَّة بشرية، وهي أيضًا سنة كونية، وتعود بثمرات عظيمة على جميع أفراد المجتمع ومؤسساته، وتسهم بشكل كبير في تقدُّم الوطن على جميع المستويات.
أشار عياد إلى أن المواجهة المصطنعة بين الدين والوطن ترجع إلى الجهل بمقاصد وأحكام الشريعة ومآلات الأمور، وفساد التصور لكثير من الأمور، إضافة إلى القراءة الانتقائية للنصوص الدينية وأقوال العلماء، وتنطلق من أيدولوجيات معينة تقوم على الهوى والمصلحة الشخصية.من جانب أخر قال فضيلة الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر، إن من الضرورة بمكان أن نقوم بالواجب العلمي والمجتمعي تجاه التغير التكنولوجي المتسارع، الذي أثر على جوانب الحياة كلها، وأن نحرص من خلال بحوث جادة رصينة على بيان أوجه الفائدة من التكنولوجيا، وكيفية استثمارها في المجالات العلمية الشرعية والقانونية، مبينًا أن إحدى سمات العصر المميزة هذا التسارع التكنولوجي، الذي يمدنا بالجديد حينا بعد حين؛ بحيث صارت التكنولوجيا جزءا من حياتنا، ولم يعد استعمالها خيارا مطروحا يحتمل القبول أو الرفض.
وبيّن وكيل الأزهر خلال كلمته بمؤتمر كلية الشريعة والقانون العلمي الدولي الثاني بتفهنا الأشراف والذي جاء تحت عنوان "التكنولوجيا الحديثة وأثرها في الدراسات الشرعية والقانونية"، أن الواقع يشهد أن البشر حول العالم أصبحوا أكثر اعتمادا على التكنولوجيا وتطبيقاتها في تواصل بعضهم مع بعض، أو في إنجاز الأعمال، أو في نقل الخبرات، أو حتى في الترفيه؛ لدرجة أن توقف أو عرقلة عمل تلك التطبيقات قد يؤثر على أنظمة اقتصادية واجتماعية في عديد من الدول.
وأوضح فضيلته أن التكنولوجيا سلاح ذو حدين، وأنها قادرة على الإسهام بنجاح في معالجة آلام الأمة، وتحقيق آمالها، وتأكيد هويتها، وتأصيل قيم المواطنة فيها، وتحقيق الأمن والسلم المجتمعي في ربوعها، وفي الوقت نفسه يمكن أن تكون أحد المهددات التي تؤصل لخطاب متطرف أو تحريضي أو منفلت يحمل مخاطر كبيرة على المجتمع وعلى الإنسانية،
مضي للقول :في الوقت الذي نؤمن فيه بضرورة الاستفادة القصوى من الفيض التكنولوجي في تيسير أمور حياتنا علما وتعليما واقتصادا وسياسة واجتماعا؛ فإن من الضروري أيضا في ظل ما نعاني ويلاته الآن؛ ليسلم الوطن، ويسعد أبناؤه، أن نعمل على إيجاد رقابة مؤسسية مسؤولة -فضلا عن الرقابة الذاتية- لتكون حصنا حصينا ضد هذه الفوضى التي يمكن أن تحدثها التكنولوجيا.
وأشار وكيل الأزهر إلى تغير الوسائل المعاصرة التي تعين على التحصيل العلمي، والتراكم المعرفي، فقديما كان المسجد وأروقته وشيخه، ثم تطور الأمر إلى قاعات المحاضرات والمكتبات، واليوم زاحمت التكنولوجيا في العملية العلمية والتعليمية، وأصبح الإنترنت معلما وموجها وميسرا،
وأضاف أنه إذا كنا نؤمن أن الإسلام دين العلم، فإن من الواجب أن نفهم أن العلم الذي ندب إليه الإسلام لا يتوقف عند العلم الشرعي وحده، بل إنه يمتد ليشمل علوم الحياة وعلوم الكون، وضروب النشاط الإنساني كافة؛ ومن ثم فإن التكنولوجيا أداة نافعة لاكتساب خبرات جديدة متنوعة، والاطلاع على آفاق واسعة من الثقافات المختلفة.
وأوضح الدكتور الضويني أن واقعنا يشهد أن التعليم الجيد مؤشر صادق وأداة فاعلة في طريق تقدم الدول والمجتمعات، بل يكاد يكون التعليم اللبنة الأولى التي تعتمد عليها الدول في تقدمها، وكلما تطور التعليم وتطورت وسائله كان سبيلا لإخراج جيل واع يسهم بفاعلية في مسيرة بلاده، والحقيقة أن الفيصل بين إيجابيات التكنولوجيا وسلبياتها يتوقف على وعي الأفراد ومسئولية المؤسسات؛ فإذا استخدمت التكنولوجيا فيما يستثمر الوقت والفكر والأدوات،
وطرح وكيل الأزهر عدة أسئلة حول الأدوار التي يمكن أن تقوم بها التكنولوجيا منها: هل يمكن للتكنولوجيا أن تيسر العبادة، في مثل إخراج الزكاة والصدقات، وعلى الحجاج والمعتمرين في الطواف والسعي والرمي؟ وهل تؤثر التكنولوجيا في الأحكام الشرعية المتعلقة بالمسائل الطبية المعاصرة، كإثبات النسب؟ وهل تؤثر التكنولوجيا في الفتاوى وإعداد المفتين؟ وهل يمكن للتكنولوجيا أن تكبح جماح التطرف والانحراف الفكري بما يضمن المحافظة على الأمن القومي؟
واستكمل الضويني تساؤلاته هل يمكن للتكنولوجيا أن تغير النظرة للمعاملات الاقتصادية المعاصرة؟ أو أن تعالج الأزمات الاقتصادية الطارئة؟ أو أن تحقق الاستخدام الأمثل للموارد؟ وهل يمكن للتكنولوجيا أن تيسر إجراءات التقاضي وتنفيذ الأحكام؟ وهل تقوم التكنولوجيا بأدلتها الرقمية حجة كافية لإثبات الوقائع؟ وهل يمكن للتكنولوجيا أن تضمن حقوق المستهلك في المعاملات الإلكترونية؟ وهل تهدد التكنولوجيا حقوق الإنسان أو تصونها؟ وهل تصون التكنولوجيا الهويات الوطنية أو تضيعها؟.
وتوقع وكيل الأزهر أن تجيب بحوث المؤتمر عن هذه الأسئلة وعن مثيلاتها، وأن تكشف حدود التعامل مع التكنولوجيا إيجابا وسلبا، مؤكدًا أنه لا يوجد ما يمنعنا من استخدام التقنيات الحديثة في إيجاد تواصل مثمر بين علماء الأمة ومفكريها؛ للتقريب بين وجهات النظر في الأحكام الشرعية للقضايا المعاصرة في شتى المجالات،
وعاد الضويني للقول إن المعارك والحروب لم تعد قاصرة على الأسلحة، بل اتخذت لها أشكالا جديدة، ومن هذا الجديد الذي تدور فيه المعارك «ميدان التكنولوجيا» الذي يشهد خلطا متعمدا للمفاهيم، وتشويها لها من خلال استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة والمتطورة حتى أصبح غزو العقول أمرا سهلا وميسورا، وهو ما يوجب على العلماء أن يوجدوا طريقا لمواجهة هذا التلوث الفكري الذي يصيب شبابنا ومجتمعاتنا.
وأكد الدكتور الضويني أن الأزهر يستطيع -بما له من رصيد كبير من الثقة لدى المسلمين وغير المسلمين- وبما فيه من أدوات أن يطوع تلك الوسائل التكنولوجية بما يخدم ديننا وتراثنا وأوطاننا، وأن المؤسسات التعليمية التي لا تستطيع تحديد مكانها اليوم في عالم التحول الرقمي ستترك طلابها فقراء في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المستقبلية؛ لذا كان على المؤسسات التعليمية أن تعمل على إعداد الطلاب بما يتماشى مع هذا التغير المتسارع، والذي لا يتوقف في ناحية واحدة من نواحي الحياة، بل يشملها كلها اقتصادا، واجتماعا، وثقافة، وسياسة، وحتى في المهن والأعمال والوظائف التي تغيرت أو استحدثت أو أدخل فيها من التقنيات ما لم يكن بها من قبل.
وشدد وكيل الأزهر على ضرورة التعامل مع التكنولوجيا بمرونة وانسجام دون رفض أو انغلاق، مؤكدًا أن استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة بطريقة إيجابية يخدم في جوهره التنمية المستدامة، ويساعد على تحقيق أهدافها؛ ويعين على توفير حياة أفضل للناس، وتعامل رشيد مع موارد المجتمع وثرواته، وهذا ونحوه من جملة المصالح التي راعتها الشريعة الإسلامية، ودعت إليها وأمرت بها بنصوص صحيحة صريحة، بل اعتبرته من جملة تكليفاتها الشرعية التي تحاسب عليها بالثواب والعقاب.
وكيل الأزهرأوضح في كلمته بأن موضوع أثر التكنولوجيا في الدراسات الشرعية والقانونية يؤكد في مضمونه مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وهو خطوة جادة نحو تقريب الناس إلى حياض الشريعة، باعتبار أن التكنولوجيا صارت في متناول الأيدي، وباعتبار أن التكنولوجيا قد تكون أحد المهددات، وقد تكون سبيل الأمن المجتمعي الذي هو حجر الزاوية في مسيرة التقدم،
وشدد وكيل الأزهر في ختام كلمته على ضرورة العمل على زيادة الوعي بالتحديات، وحسن قراءة الواقع، ومعرفة ما يراد بأوطاننا، وتقوية ثقة الناس في مؤسساتنا، والإيمان بضرورة العمل الجماعي؛ وتقديم فقه المجتمع والوطن والأمة، والاستفادة من معطيات الواقع؛ حتى لا نتخلف عن ركبه