لاشك أن كثيرًا منا هذه الأيام يمر بين الفينة والأخرى، بإحساس عميق من الحزن، قد لا يعرف مصدره، وإنما قلبه يتمزق، ربما على حاله، أو على حال عزيز له، أو ربما يمر ضائقة مالية، أو شيئًا في النفس ألم به، وهو لا يدري ما هو، فكيف بهذا الخروج من هذا الحزن العميق، وكيف به يستعيد توازنه مجددًا، واستكمال الحياة؟.
فلقد بلغ من خطورة الهم والحزن على حياة الإنسان، وأمنه الفكري واستقراره النفسي، أن استعاذ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم منهما ومن أمثالهما، حيث كان صلى الله عليه وسلم يُكثر في دعائه من قول: «اللهم إني أعوذُ بكَ مِن الهمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكسَلِ، والبُخلِ والجُبنِ، وضَلَعِ الدَّينِ وغَلبةِ الرجال».
ضيف ثقيل
إذن لاشك أن الحزن هو أثقل ضيف على الإنسان، إذ يخرجه من تركيزه، إلى حالة لا يدري مداها ولا متى سيفيق منها، بل أن من خطورة الهم والحزن، أنه أحد أهم الأسباب التي توصل بالإنسان إلى الانتحار ولعياذ بالله.. فتخيل كيف أن الإنسان لا يستطيع مواجهة حزنه فيقرر التخلص من حياته، وهو أمر لو تعلمون عظيم، لذلك اهتم الإسلام كثيرًا بطرق مواجهة الهم والحزن، ودعا مرارًا إلى الصبر وذكر الله لمواجهته.
قال تعالى: « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا » (الكهف: 28)، وقد حث الله تعالى عليه وذكره في القرآن الكريم في نحو تسعين موضوعًا، كما أمر بالاستعانة به، قال تعالى: « وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ » (البقرة: 45)، بل وجعل جزاء الجنة والنجاة من النار من حظ الصابرين، قال تعالى: « إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ » (المؤمنون: 111).
السبب الرئيسي
بالأساس يفسر الإسلام السبب الرئيسي للحزن، بالإعراض عن ذكر الله، يقول الله تعالى: « وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى » (طه: 124)، ذلك أن من ملأ قلبه بذكر الله لابد أن يرضيه الله بما ابتلاه أو بما أصابه، وهذا هو أساس المسلم، أمره كله خير في السراء خير وفي الضراء خير.
عن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».
أما المؤمن بالله تعالى المتعلّق قلبه بالله دون سواه، فإن الله تعالى يُحييه حياةً طيبةً تشمل جميع وجوه الراحة والاطمئنان والسعادة، مِصداقًا لقوله تعالى: « مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ » (النحل: 97).
اقرأ أيضا:
قوامة الزوج شرعت لإقامة الحب وليست قاهرة.. تعرف على معناها وأسبابها