مع إقبال المسلمين على صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك، تمتلئ المساجد بالمصلين، وقد يحدث أن تتعدد الجماعات داخل المسجد الواحد، الأمر الذي يثير تساؤلًا فقهيًا مهمًا: هل يجوز إقامة جماعتين في المسجد لصلاة التراويح؟
التراويح… عبادة جماعية بروح واحدة
تُعد صلاة التراويح من أبرز شعائر رمضان، وقد صلاها النبي ﷺ جماعة ثم ترك المواظبة عليها خشية أن تُفرض، حتى جمع الناس عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المسجد، فأصبحت سنةً ظاهرةً يجتمع عليها المسلمون.
ومن هنا، فإن الأصل في التراويح أن تُقام جماعة واحدة تجمع القلوب وتحقق معنى وحدة الصف.
حكم إقامة جماعتين في المسجد
تناول الفقهاء هذه المسألة بتفصيل، ويمكن تلخيص أقوالهم في الآتي:
1️⃣ الجواز عند الحاجة
يرى كثير من العلماء جواز إقامة جماعتين إذا وُجدت حاجة معتبرة، مثل:
امتلاء المسجد وعدم استيعابه للمصلين.
اختلاف عدد الركعات أو طول الصلاة.
قدوم جماعة متأخرة بعد انتهاء الجماعة الأولى.
التعليل: أن المقصود إقامة الصلاة جماعة، وعدم حرمان الناس من فضل التراويح.
2️⃣ الكراهة دون حاجة
ذهب بعض الفقهاء إلى كراهة تعدد الجماعات في المسجد الواحد دون ضرورة؛ لما فيه من:
تفريق الجماعة.
إضعاف معنى وحدة الصف.
حدوث التشويش بين المصلين.
متى يكون تعدد الجماعات أفضل؟
يُعد تعدد الجماعات مشروعًا ومقبولًا في حالات عملية، منها:
المساجد الكبيرة ذات الطوابق أو الساحات الواسعة.
وجود جماعة تريد صلاة عدد ركعات مختلف.
إقامة جماعة للمتأخرين بعد انتهاء الإمام.
تجنب المشقة أو الزحام الشديد.
آداب ينبغي مراعاتها
حتى مع جواز تعدد الجماعات عند الحاجة، ينبغي الالتزام بعدة آداب:
تجنب التشويش بين الجماعات.
احترام الجماعة الأولى وعدم التشويش عليها.
مراعاة تنظيم المسجد وتوجيهات القائمين عليه.
الحرص على وحدة القلوب وإن تعددت الجماعات.
أيهما أفضل؟
الأفضل بلا شك هو الصلاة مع الجماعة الأولى خلف إمام المسجد؛ لما فيها من:
تحقيق وحدة المسلمين.
إدراك فضل القيام مع الإمام حتى ينصرف.
زيادة الخشوع والارتباط الجماعي بالعبادة.
رسالة ختامية
إن تعدد الجماعات في صلاة التراويح مسألة يسعها الخلاف الفقهي، والأصل فيها مراعاة المقصد الشرعي وهو إقامة الصلاة بخشوع ووحدة دون مشقة أو نزاع. فإذا دعت الحاجة جاز، وإن لم توجد فالأفضل الاجتماع على جماعة واحدة.
فلنجعل التراويح ميدانًا لوحدة القلوب لا سببًا للخلاف، ولنحرص على روح العبادة قبل صورتها، فالمقصود القرب من الله لا مجرد تعدد الصفوف.