أخبار

حج القلوب قبل الأبدان: قراءة في الأبعاد النفسية للرحلة المقدسة

تحذير متبعي حمية الكيتو من أضرار تصيب القلب

صدمة كهربائية واحدة للدماغ تخفف الألم المزمن

هل "الحج" أفضل من " الجهاد في سبيل الله".. لأنه في عشر ذي الحجة؟

ابتعد عن هذه المعاصي في العشر الأوائل من ذي الحجة لأنها تأكل حسناتك

ما يلزم المضحي تركه بدخول ذي الحجة وما يباح له.. تعرف عليها

طاعة واحدة تفوق العمل الصالح في عشر ذي الحجة

في العشر الأوائل من ذي الحجة.. لا تهتم بكثرة العبادة فقط.. واحرص على هذه الفضائل ربما تكون أولى

دعاء الصائمين في العشرة الأوائل من ذي الحجة

خمسة أسرار وراء تعظيم الأيام العشر من ذي الحجة

حج القلوب قبل الأبدان: قراءة في الأبعاد النفسية للرحلة المقدسة

بقلم | نهى الفخراني | الثلاثاء 19 مايو 2026 - 08:21 م

تظل رحلة الحج أشواقاً تتقاذفها أرواحنا، وحلماً يراود كل مسلم قبل الرحيل عن هذه الدنيا؛ فمن ذاق حلاوتها دعا الله ألا تكون آخر العهد بالبيت، ومن لم يذقها ظل قلبه معلقاً بأستار الكعبة ينتظر الإذن بالقدوم. 

وإذا كنا قد اعتدنا تلقي معارفنا عن هذه الفريضة من زاوية الأحكام الشرعية والمناسك الفقهية، فإننا قد نغفل عن "البعد النفسي" الهائل الذي تصنعه هذه الرحلة في أعماقنا، وما تحدثه من إعادة صياغة لعقولنا ومشاعرنا. 

لذا فإننا هذا المقال، نبحر في الأبعاد النفسية للحج، مستندين إلى الرؤية العلمية والإيمانية التي قدمها الأستاذ الدكتور محمد كمال الشريف، استشاري الطب النفسي، والذي كشف لنا عن أسرار السكينة الكامنة خلف المناسك.

 غريزة الاستطلاع و"طمأنينة الرؤية"

أكد الدكتور محمد كمال الشريف أن النفس البشرية جُبلت على غريزة حب الاستطلاع وتوق العقل لبناء تصورات ذهنية واضحة لكل ما يؤمن به؛ فالعقل لا يطيق الفراغ المعرفي، وإذا لم يجد حقيقة يدركها، فإنه يملؤها بالخيال الذي قد يخطئ ويصيب، مما قد يسبب حالة من عدم الاستقرار الذهني والقلق المعرفي. من هنا، يرى الدكتور أن الحج يمنح المؤمن "طمأنينة الرؤية"، وهي الحالة التي بحث عنها إبراهيم الخليل عليه السلام حين سأل ربه: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}. فالحج ينقلنا من اليقين الخبري –الذي نستمده من الكتب والسمع– إلى اليقين البصري والمشاهدة الحية.

ويوضح (الشريف)أن الحج هو فرصة لإنهاء "صراع التخيل" داخل النفس؛ فالمؤمن الذي آمن بالكعبة وبالتاريخ النبوي غيباً، تظل نفسه تواقة لمعاينة هذه الحقائق ليرتاح عقله من عناء رسم الصور الذهنية المفترضة. فعندما تقع العين على الكعبة المشرفة، ويطوف المرء في ذات المكان الذي طاف فيه الأنبياء، ويشرب من ماء زمزم الذي نبع لهاجر وإسماعيل، تتحول المفاهيم الغيبية المجردة إلى واقع حي ملموس تدركه الحواس وتستريح له الأنفس. هذه "المسحة من الشهادة" تجعل الغيب يرسخ في النفس رسوخاً لا يتزعزع، وتجعل الحاج يشعر بأنه قد لامس بجوارحه أصول دينه، مما يورث الروح سكينة عميقة وثباتاً فكرياً ينهي تشتت الخيال، ويحول الإيمان من "معلومة" إلى "تجربة وجودية" شاملة تسكن معها الروح ويطمئن بها العقل.

 التسليم الواعي وتدريب الإرادة 

كما أوضح الدكتور الشريف أن في الحج تدريباً نفسياً رفيعاً على 'العبودية المطلقة'، خاصة في تلك المناسك التي يغيب عن العقل معناها المادي المباشر؛ كتقبيل حجر أو رجم آخر في توقيتات وأماكن محددة. مضيفا أن هذا الغياب للحكمة المادية الظاهرة هو في حد ذاته 'حكمة تربوية' تهدف إلى تجريد الطاعة من حظوظ النفس وقناعات العقل المحدودة، لترويضها على الامتثال لأمر الله لمجرد صدوره من الخالق. 

وهناك نحن نحاكي تجربة 'الأسرة النموذجية' (إبراهيم وهاجر وإسماعيل) في أرقى صور استسلامها، مما يحرر الإنسان من قيد التفسير المادي للأشياء ليرتقي إلى رحابة التسليم اليقيني.

ولعل هذا التدريب الوجداني لا يقتصر أثره على مشاعر مكة فحسب، بل يمتد ليعيد صياغة شخصية المؤمن في حياته اليومية؛ فيجعلها أكثر مرونة ورضا وقدرة على تقبل أقدار الله التي قد لا تظهر حكمتها للعيان في حينها، وهو ما ينعكس لاحقاً على اتزان المرء النفسي وقدرته على مواجهة أزمات الحياة بثبات.
 صهر الهوية وتعزيز تقدير الذات 

وعلى صعيد الهوية، يشير (د.الشريف) إلى أن الحج يعمل كمنصة عالمية لتذويب الفوارق؛ حيث يتجرد الجميع من ثياب الجاه والمناصب ليلتحفوا برداء واحد بسيط... هذا التوحد يمنح الحاج إجابة قاطعة وعملية عن سؤال الهوية: "من أنا؟".. إنه جزء من أمة عظيمة، عريقة، وممتدة جغرافيًا وتاريخيًا... هذا الشعور بالانتماء لكيان رباني ضخم يرفع من "تقدير الذات" (Self-Esteem) لدى المسلم، ويخلصه من مشاعر الدونية أو الاغتراب الروحي، ليخرج من حجه فخوراً بهويته الأصيلة، معتزاً بقيمته كفرد في أمة التوحيد.

 المغفرة كبوابة للتجدد النفسي 

وفي ختام رؤيته، يتوقف (د. الشريف) عند الأثر العلاجي المذهل للمغفرة، فالحاج الذي يوقن بقلبه أنه عاد "كيوم ولدته أمه" يتحرر من أثقال الذنوب وعُقد التأنيب التي تعد من ألد أعداء الصحة النفسية.

 هذه "الصفحة البيضاء" تمنح الإنسان دافعاً نفسياً هائلاً للحفاظ على طهارته؛ فمن لبس ثوباً أبيض ناصعاً كان أحرص الناس على ألا تلمسه ذرة كدر. إن نجاح الحاج في إتمام هذه الرحلة الشاقة وتجاوز تحدياتها يعطيه الثقة في قدرته على النجاح في معارك الحياة الأخرى، عملاً بالقاعدة النفسية: "النجاح يجر النجاح".
 (سياحة استشفائية )

إن الحج في جوهره ليس مجرد سفرٍ عبر الجغرافيا، بل هو "سياحة استشفائية" في أعماق النفس البشرية؛ رحلةٌ تبدأ من ضجيج الدنيا لتنتهي عند سكون اليقين.
 وكما يراها الدكتور محمد كمال الشريف، من منظور نفسي فإن هذه الفريضة تمثل "إعادة ضبط" شاملة لمنظومتنا النفسية؛ فهي تروي عطش العقل للتصور، وتهدئ قلق الروح بالتسليم، وتصهر الهويات المشتتة في بوتقة الاعتزاز بالانتماء لهذا الدين العظيم.

وعندما يضع الحاج عصا الترحال، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ؛ إذ يعود بقلبٍ غسلته دموع الندم، ونفسٍ استردت براءتها الأولى، متسلحاً بذخيرةٍ من الثقة والسكينة تعينه على مواجهة تقلبات الحياة.

 إنها دعوةٌ لكل من عاد من تلك البقاع، أو من لا يزال ينتظر على أعتاب الشوق، أن يستشعر هذا البياض الذي لاح في أفق روحه، ويجعل من حجه منطلقاً لميلادٍ جديد، وعقداً مع الله ألا يعود إلى كدر المعاصي بعد أن ذاق حلاوة الطهر؛ ليظل الحج في وجدانه نبراساً يضيء له عتمة الطريق، وقلباً عرف أخيراً كيف يطمئن 
بذكر الله ولقاء آياته.

*كاتبة وباحثة برابطة الجامعات الإسلامية 




الكلمات المفتاحية

رحلة الحج الدكتور محمد كمال الشريف أركان الحج مناسك الحج

موضوعات ذات صلة

amrkhaled

amrkhaled تظل رحلة الحج أشواقاً تتقاذفها أرواحنا، وحلماً يراود كل مسلم قبل الرحيل عن هذه الدنيا؛ فمن ذاق حلاوتها دعا الله ألا تكون آخر العهد بالبيت، ومن لم يذقه