حبُّ الدنيا وكراهيةُ الموت.. حين يختلُّ ميزانُ القلب
بقلم |
فريق التحرير |
الاثنين 15 يونيو 2026 - 07:58 م
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتزاحم فيه المطالب والرغبات، قد يجد الإنسان نفسه منغمسًا في الدنيا إلى حدٍّ يجعله ينسى أنها محطة عبور لا دار قرار. ومن هنا جاء التحذير النبوي من داءٍ خطير لا يقاس بكثرة المال ولا بجمال المظاهر، بل بمقدار تعلق القلب بما يفنى ونفوره مما لا بد منه؛ إنه: حب الدنيا وكراهية الموت.
ما المقصود بحب الدنيا؟
حب الدنيا ليس مذمومًا بإطلاقه؛ فالإسلام لم يدعُ إلى ترك العمل أو الزهد السلبي أو هجر أسباب الرزق، وإنما المذموم أن تتحول الدنيا إلى غايةٍ بدل أن تكون وسيلة، وأن يستولي حبها على القلب حتى ينسى صاحبه آخرته.
فقد يحب الإنسان المال لأنه يعينه على الطاعة، ويحب النجاح لأنه وسيلة للنفع والإصلاح، وهذا محمود. أما أن يصبح جمع المال أو طلب المكانة هو المحرك الوحيد للقرارات والأحكام والعلاقات، فهنا يبدأ الخلل.
الخوف الطبيعي من الموت أمر فطري؛ فالإنسان مجبول على حب البقاء. لكن المقصود بالكراهية المذمومة: النفور من لقاء الله بسبب التعلق بالدنيا أو التقصير في العمل.
وقد كان الصالحون لا يتمنون الموت هربًا من الحياة، بل كانوا يجتهدون في العمل ويستعدون للقاء الله، لأنهم فهموا أن الموت انتقال وليس فناءً.
ولهذا كان السؤال الحقيقي: هل نخاف الموت لأنه مجهول؟ أم لأننا لم نستعد له؟
بين الحديث النبوي وواقعنا المعاصر
ورد في الحديث الشريف أن من أسباب الضعف: «حب الدنيا وكراهية الموت»؛ لأن القلب إذا تعلّق بالمكاسب والمظاهر خاف خسارتها، وإذا خاف الخسارة تراجع عن المبادئ، وإذا تراجع عن المبادئ ضعفت الإرادة.
واليوم قد يظهر هذا المعنى في صور متعددة:
تأجيل التوبة بحجة أن العمر ما زال طويلًا.
الانشغال الدائم بالمظاهر والسباق الاجتماعي.
قياس النجاح بما يملك الإنسان لا بما يقدّم.
الخوف من فقدان الراحة أكثر من الخوف من ضياع العمر.
كيف نوازن بين عمارة الدنيا والاستعداد للآخرة؟
الإسلام يقدم معادلة متوازنة: اعمل لدنياك، لكن لا تجعلها تسكن قلبك.
ومن الوسائل العملية لذلك:
تجديد النية في العمل والكسب وطلب العلم.
تخصيص وقت يومي للذكر وقراءة القرآن.
تذكّر أن النعم وسائل للاختبار لا علامات للتفوق.
زيارة المرضى وحضور الجنائز للعظة والاتعاظ.
سؤال النفس بين حين وآخر: ماذا لو كان هذا اليوم آخر أيامي؟
الحياة فرصة.. لا إقامة دائمة
ليس المطلوب أن يكره الإنسان الدنيا، بل أن يعرف قدرها الحقيقي؛ يزرع فيها الخير، ويعمرها بالطاعة، ويعيش فيها بقلبٍ متعلق بالله لا بما في الأيدي.
فحين يستقر هذا المعنى في النفس، تتحول الدنيا من معبودٍ خفي إلى طريقٍ إلى الله، ويصبح الموت بابًا إلى لقاءٍ يرجوه المؤمن بالعمل الصالح، لا حدثًا يهرب منه لأنه لم يستعد له.
حب الدنيا ليس في اليد، وإنما في القلب؛ فإذا امتلأ القلب بالله، صارت الدنيا في موضعها الصحيح.