عبد الله بن المبارك.. الإمام الذي جمع بين العلم والعبادة والجهاد والتجارة يُعد
بقلم |
فريق التحرير |
الاثنين 20 يوليو 2026 - 05:38 م
الإمام عبد الله بن المبارك من أعظم علماء الإسلام في القرن الثاني الهجري، فقد اجتمعت فيه خصال قلما تجتمع في رجل واحد؛ فكان محدثًا حافظًا، وفقيهًا، وزاهدًا، ومجاهدًا، وتاجرًا أمينًا، حتى أصبح نموذجًا يُحتذى في التوازن بين العبادة والعمل وخدمة الأمة.
مولده ونشأته
وُلد عبد الله بن المبارك سنة 118 هـ في مدينة مرو بخراسان، ونشأ في بيت عرف بالاستقامة والحرص على طلب العلم. واتجه منذ صغره إلى حفظ القرآن وطلب الحديث، ثم ارتحل في البلدان الإسلامية يطلب العلم عن كبار العلماء، حتى صار أحد أئمة عصره.
رحلة طويلة في طلب العلم
آمن ابن المبارك بأن العلم لا يُنال بالراحة، فطاف الحجاز والعراق والشام ومصر واليمن وخراسان، ولقي مئات العلماء، وروى عن كبار الأئمة، منهم الإمام مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وحميد الطويل وغيرهم.
وكان يقول:
"لا يزال الرجل عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل."
جمع بين العبادة والعمل
لم يكن ابن المبارك منقطعا عن الدنيا، بل كان تاجرًا ناجحًا، ينفق من ماله على نفسه وعلى طلاب العلم والفقراء، حتى قيل إنه كان يخصص أرباح تجارته لخدمة أهل العلم ومساعدة المحتاجين.
وبذلك قدّم نموذجًا عمليًا يؤكد أن الإسلام لا يدعو إلى ترك العمل، وإنما إلى كسب المال الحلال وإنفاقه في وجوه الخير.
الزهد الحقيقي
لم يكن زهده في ترك المال، وإنما في ألا يتعلق قلبه به، ولذلك قال كلمته المشهورة:
"الزهد أن تزهد في الحرام، فإذا كان الحلال فلا بأس به."
فكان يرى أن المسلم يستطيع أن يكون غنيًا، لكنه لا يجعل الدنيا أكبر همه.
فارس في ميادين الجهاد
كان ابن المبارك يشارك في الثغور ويخرج للجهاد دفاعًا عن المسلمين، حتى صار مضرب المثل في الجمع بين القلم والسيف.
ومن أشهر كلماته التي كتبها إلى أحد العباد المنقطعين للعبادة:
"يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك في العبادة تلعب"
وكان يقصد أن عبادة الله تشمل كذلك الدفاع عن المسلمين وحماية ديارهم.
مكانته عند العلماء
أجمع العلماء على إمامته وفضله، فقال الإمام أحمد بن حنبل:
"لم يكن في زمان ابن المبارك مثله."
وقال الإمام يحيى بن معين:
"ما رأيت مثل ابن المبارك."
ولذلك عُدَّ من كبار أئمة الحديث والفقه والورع.
من أقواله المضيئة
"رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية."
"الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء."
"من بخل بالعلم ابتلي بإحدى ثلاث: إما أن يموت فيذهب علمه، أو ينساه، أو يتبع السلطان."
وفاته
توفي الإمام عبد الله بن المبارك سنة 181 هـ أثناء عودته من إحدى رحلاته، وكان عمره نحو ثلاث وستين سنة، بعدما ترك تراثًا علميًا كبيرًا، من أشهره كتاب الزهد، وكتاب الجهاد، وروايات كثيرة في الحديث.
دروس من سيرته
تعلمنا سيرة عبد الله بن المبارك أن النجاح الحقيقي لا يكون في جانب واحد، بل في الجمع بين العلم والعمل، والعبادة، والأخلاق، والكسب الحلال، وخدمة الناس. فقد أثبت أن المسلم يستطيع أن يكون عالمًا، وتاجرًا، وعابدًا، ومجاهدًا في الوقت نفسه، إذا أخلص النية لله تعالى، فجاءت سيرته مثالًا خالدًا للعالم الرباني الذي عاش للإسلام علمًا وعملًا ودعوة.