في إنجاز علمي وتكنولوجي كبير يفتح آفاقًا جديدة في طب العيون، نجح فريق بحثي من جامعة ولاية ميشيجان الأمريكية في تطوير علاج جيني يُعطى عبر جرعة واحدة، يمتلك القدرة على إصلاح خلايا شبكية العين التالفة لدى البالغين وعكس مسار ضعف وفقدان البصر الناتج عن طفرات وراثية نادرة.
ويُعد هذا الإنجاز خطوة ثورية لأنه يثبت إمكانية إعادة توصيل وتوليد الخلايا العصبية في الثدييات، وهو ما كان يُعتقد سابقاً أنه أمر مستحيل.
تصحيح "مخطط" الرؤية
تنتج هذه الحالة المرضية عن وجود نسخ معيبة في جين يُدعى (CaBP4)- الجين المسؤول عن إنتاج بروتين حيوي لترجمة الإشارات البصرية ونقلها داخل شبكية العين؛ مما يتسبب في ضعف شديد في البصر منذ الطفولة.
ووصف الباحثون هذه الطفرة الجينية بأنها أشبه بـ "خطأ إملائي في مخطط البناء الأولي" يجعل الإرشادات غير مفهومة للنظام الحيوي، مما يؤدي إلى تصميم معيب وفقدان الرؤية لاحقًا.
ويمكن أن يؤثر هذا البروتين أيضًا على الكلاب، مما دفع الباحثين إلى ابتكار علاج محتمل عن طريق حقن شبكية عيون الحيوانات بفيروس غير ضار يحمل نسخة عاملة من الجين، بحسب صحيفة "ذا صن".
ويعتمد العلاج الجديد على أسلوب هندسة جينية دقيق عبر الخطوات التالية:
1. الحاقن الفيروسي: يتم حقن شبكية العين بـ فيروس غير ضار يحمل نسخة سليمة ونشطة من جين CaBP4.
2. إعادة الإنبات المائي: سمحت الجرعة المفردة بنمو طبقة حيوية في العين تسمى (الطبقة الضفيرية الخارجية)، وهي طبقة تحتجز الموصلات الأساسية للرؤية وكان نموها قد توقف تماماً جراء الطفرة الجينية.
3. ترميم الجسور العصبية: ساعد العلاج في توسيع ما يُعرف بـ "الأشرطة التشابكية" داخل الخلايا الحساسة للضوء، مما أعاد توصيل الشبكة العصبية البصرية بالكامل وتخفيف تدهور الأجزاء المصابة.
نتائج مذهلة طويلة الأمد
أثبتت التجارب التي أُجريت على الكلاب كفاءة استثنائية للعلاج؛ حيث أظهرت تحسنًا كبيرًا وملحوظًا في الرؤية ضمن الإضاءة الخافتة (وهي البيئة التي يظهر فيها تأثير نقص بروتين CaBP4 بشكل أوضح).
والأهم من ذلك، نجح العلاج في إصلاح أضرار استمرت لسنوات طويلة من النمو المتوقف، وأظهرت الفحوصات الطبية إعادة أسلاك وتحفيز الخلايا العصبية المصابة.
وأكد الباحثون أن الفوائد الطبية للحقنة استمرت طويلاً؛ حيث أظهرت فترات المتابعة الطبية اللاحقة استقرار وتحسن حالة العين حتى بعد مرور ثلاث سنوات كاملة من تلقي الجرعة المفردة.
وقالت بيلي بيكويث-كوهين، قائدة الدراسة، في بيان صحفي، إن هذا العلاج يسمح بنمو طبقة في العين لم تتشكل كما هو معتاد أثناء نمو الشبكية، مما يثبت أن الطبقة الضفيرة الخارجية للشبكية لديها القدرة على التغيير.
كما يسمح ذلك بنمو الخصائص المشبكية التي تدعم الرؤية السليمة بشكل صحيح، مما يؤدي إلى بناء نظام دعم أفضل للشبكة العصبية الشبكية بأكملها. ومن أبرز مزايا العلاج بجرعة واحدة قدرته على إصلاح سنوات من الضرر.
متى يتاح العلاج الجديد للمرضى؟
أعرب الباحثون عن ثقتهم البالغة في قدرة هذا العلاج على العمل بكفاءة مماثلة لدى البشر؛ لكون شبكية العين البشرية تتطابق في التركيب العصبي والبروتيني مع العينات الخاضعة للاختبار.
وكتب الفريق في ورقتهم العلمية: "تظهر نتائجنا أن العلاج الجيني ليس قادرًا على استعادة وظيفة الشبكية فحسب، بل يمكنه أيضاً إعادة الترتيب التشريحي الطبيعي للطبقات العصبية".
ويستعد الباحثون حاليًا للانتقال إلى مرحلة التخطيط للتجارب السريرية على البشر، متوقعين أن يفتح هذا الابتكار الباب لتطوير طرق أخرى لإصلاح الشبكات العصبية المتضررة، لاسيما المشكلات المرتبطة بإشارات الكالسيوم داخل العين.