خطبة الجمعة غدا .. التوكل على الله تعالى والأخذ بالأسباب

محمد جمال حليم الخميس، 05 ديسمبر 2019 09:00 م
التوكل على الله

تماشيا مع ما ينفع المسلمين وخاصة الدعاة نقدم زادًا للدعاة يعينهم على البحث ويفتح لهم الطريق لاستلهام الدروس والحكم من خلال نشر الوعي وإمدادهم بزاد ثقافي حول موضوع خطبة الجمعة كل أسبوع:

"الحمد لله ربّ العالمين مجري السحاب، وهازم الأحزاب، والصلاة والسلام على من علّمنا كيف يكون الأخذ بالأسباب، فصلوات ربي وسلامه عليك سيدي يا رسول الله يا سيد الأحباب، وبعــــد: 
فلقد مرّ بأمتنا زمانٌ عاشت فيه سائدة رائدة -رغم أزماتها المتلاحقة-؛ حين فكّر أبناء تلك الأُمّة في الأسباب والنتائج على السواء، وأخذوا بكل الإمكانات المُتاحَة للتقدّم والسيادة،  بحثوا في الأسباب والمسببات، ونظروا في العواقب والمقدِّمات، وبعد ذلك ما تركوا سببًا يوصلهم إلى اجتياز المحن إلا أخذوا به؛ بشرط موافقته للشرع الحنيف، فخرجت من نكباتها زمنًا، وعاد لها عزتها وريادتها.. هكذا كانت!!

واليوم تمرّ بمرحلة شديدة الصعوبة في تاريخها المعاصر، تحتاج معه إلى همّة الرجال العاملين الآخذين بالأسباب، الطامحين لانتشالها من رقدتها.. وقد أيقن المصلحون أنه لا مخرج إلا بالأخذ بسنة الله الكونية التي لا تحابي أحدًا مهما كان!!
وقد يتساءل البعض: لماذا تقدّم الغرب في الوصول إلى الحضارة والريادة؟ 
والجواب: لأنهم أخذوا بالأسباب.. 
فإن العطاء الإلهي ليس على أساس التدين وحده؛ بل إن الله وعد بالعطاء للجميع -مؤمن وكافر- كل على قدر أخذه بالأسباب وسعيه وعمله الدنيوي.. 
ولذا من بين أهم سنن الله تعالى: (الأخذ بالأسباب ضرورة لتحقيق المطلوب والرغائب)؛ يتساوَى فيها المؤمن والكافر، حتى أنّ من أحسن العمل في الدنيا لا يضيع الله أجره وثوابه الدنيوي، مؤمنا كان أو كافرًا، قال تعالى: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: 30].. فتعالوْا بنا اليوم لنتوقّف مع تلك القيمة العظيمة التي يحب الله تعالى من اتّسم بها وعاش بها حقًّا (التوكّل)، وقانون الأخذ بالأسباب نظريا وتطبيقيًّا، وذلك في ضوء العناصر التالية.. 
أولا: الأخذ بالأسباب أمرٌ ربانيّ وفريضة شرعية: 
إن الله عزّ وجلّ -وهو الذي لا يعجزه شيء- قد جعل لنا في الكون أشياء نراها بأعيننا لنستبين أنه أخذ بالأسباب، مع أنه ليس بحاجة إليها؛ وما كان ذلك إلا للتعليم والتدريب والتربية للبشر؛ فقد قال تعالى: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ  [إبراهيم: 32] فالله تعالى جعل الماء سببًا لإخراج النبات وثمراته، وقد ارتبط الماء بمسألة الحياة لكل مخلوق كما ورد في القرآن الكريم.. 
وتلك عقيدة المسلم في قضية الأسباب، قال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: 23] ولقد جاءت النصوص القرآنية الكريمة واضحة في التأكيد على قانون الأخذ بالأسباب وعِظَمِ ثمراته اليانعة، ومنها قوله تعالى: نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [العنكبوت: 58]، وقد قرّر عدد من المفسرين بأنّ العاملين هنا هم: الآخذون بالأسباب الذين لا يتوقفون عن العمل ولكن يعتمدون ويعملون وهم متوكلون على الله عز وجل .ويقول سبحانه -أيضًا-: "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159] وفيها ما يدلل بوضوح على أن العزم والحركة والسعي والتخطيط جزء من التوكل على الله.
وأنّ المتوكّل حقًّا هو من أخذ بالأسباب لا مَن تواكَل وانتظر الفرج والرزق بدون حركة؛ خاصة وأن الله تعالى قد ربط بين السعي وبين الرزق، فقال في سورة المُلْك: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: 15]. 
وفي قصة ذي القرنين -عليه سحائب الرحمات- يلاحِظ القارئ للآيات تكرار الثناء عليه بأخذه بالأسباب، قال تعالى في بداية قصته: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا  [الكهف: 84، 85] ثم أتبع ذلك بقوله -بعد تحركه وسعيه- ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: 89، 92]
ومما يدل على عظيم تلك القيمة -من خلال القرآن الكريم والتشريع الإسلامي- أنّ الله أمر بها في كل الأحوال والعبادات والسلوكيات؛ ومنها ما يأتي: 
1.الأخذ بالأسباب يكون في أمور العبادة والقرب من الله تعالى، قال عزّ وجلّ: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: 123]. 
2.في مقام الدعوة إليه، قال عزّ مِن قائِل: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: 129].
3.في مقام الفصل والقضاء بين المتخاصميْن، قال عزّ وجلّ: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [الشورى: 10].
4.في مقام مواجهة الأعداء، قال سبحانه: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[آل عمران: 121، 122].
5.في مقام طلب الرزق، قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق: 2، 3].
6.في مقام الحذر والحيطة من أذى الآخرين ومِن الحسد، لاحظنا ما أمر به يعقوب  أبناءه حين أرادوا العودة لمصر، قال لهم -كما حكى القرآن المجيد-: "يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ" [يوسف: 67].
7.في مقام إبرام الاتفاقات المادية -أن الأخذ بالأسباب كتابة يكون أفضل، بل هو الشـرع-، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ.." [البقرة: 282]، وفي قصة الرجل الصالح في مدين مع نبي الله موسى ، قال تعالى -على لسان الرَّجُل الصالح-: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْـرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ" فكان ردّ نبي الله موسى ، بقوله: ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص: 27، 28].
ثانيًا: الأخذ بالأسباب سنّة الأنبياء وسلوك الصالحين المصلحين: 
فهذا نبيّ الله نوح يصنع سفينة لحمل المؤمنين معه ومن كل زوجين اثنين كما أمره الله، وأخذ بالأسباب مع عدم وجود الماء؛ ثقة في قدرة من كلّفه بذلك وأمره، ونجاه الله ومن معه على السفينة وما آمن معه إلا قليل.. وقال ربنا: "وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ"  [القمر: 13]. 
وتلك العذراء البتول مريم -عليها سحائب الرحمة وكمال الرضوان- تُؤمر بهز جذع النخلة -وهي المحمّلة بأثقال نفسية على إثر حملها بلا زوج- ثم يُطعمها الله ويسقيها لأنها أخذت بالأسباب فتحركت وسعَت وعوّضها الله. 
وهذا نبيّ الله موسى  يضرب البحر بعصاه؛ استجابة لأمْرِ ربه حين أمره، وجعلها الله سببًا لنجاته ومن معه من قومه حين صدّقوه -ولو كان تصديقًا مؤقّتًا-. كما سبق أنّه أُمِر بضـرب الحجر بالعصا؛ لتنفجر عيون لثومه من باطن الحجارة، فضرب بعصاه، قال تعالى: "وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْـرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْـرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" [البقرة: 60] فقد جُعل الضـرب بالعصا سببًا في تفجّر الماء. 
وقصة الخضر مع نبي الله موسى واضحة في الكتاب المجيد؛ في مسألة خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار نرى بعيوننا أثر الأخذ بالأسباب كما بيّنت آيات القرآن الكريم. 
وهذا الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلمعاش حياته كلها متوكلا على الله حقا مع أخذه بالأسباب في كل مرحلة من مراحل حياته وتاريخها؛ ففي يوم الهجرة علّمنا بخطته المحكمة كيف يكون الأخذ بالأسباب!! حيث خطّط لكل لحظة في حدث الهجرة، فأسماء مسؤولة الطعام والتموين، وابن أبي بكر مسؤول السر ونقله من مكة، وعليّ يبيت مكانه في فراشه ليلة الهجرة، وعامر بن فهيرة يزيل بغنماتِهِ آثار الأقدام المترددة على غار ثور، وعبدالله بن أُرَيْقط كان دليلاً للرسول وصاحبه إلى المدينة عبر الطُّرق الوعرة التي لا يقصدها تجار قريش؛ أخذا بالأسباب، وحتى لا يكون للمشـركين فرصة في الإمساك به. وهكذا وجدناه -مع أنه نبي ومعصوم ومؤيَّد- يضع الخطة ويموّه على من خرج باحثًا عنه ويستخدم أمْهر الأدلّة -عبدالله بن أريقط- الذين يعرفون الطُّرق ويحرص على تواصل خطوط إمداده بالغذاء والمعلومات، وهو مع كل ذلك لا ينسى أن الله تعالى معه يؤيده وينصـره "إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا" [التوبة: 40]
وفي غزواته وجدناه يخطط ويأخذ بالأسباب ويحدّد المهام ويوزّع الأدوار؛ أخذًا بالأسباب- ففي يوم بدر يأخذ بالأسباب في المكان والزمان، ويأخذ برأي الحُباب بن المنذر -إن صحّت الرواية- في موقع المعركة، وأخذ برأي سعد بن معاذ في صناعة عريش له يُتابِع من خلاله المعركة، وفي يوم أُحُد يشير إشارات واضحة لأصحابه الرُّماة في الالتزام بالجبل دون النزول مِن على ظهره، وأكّد ذلك بقوله: (لا تنزلوا وإن رأيتمونا تتخطّفنا الطير)، وفي يوم الخندق يأمر بحفر الخندق -آخذًا بالاقتراح الفارسي للمسلم سلمان رضي الله عنه- وإنقاذًا للمدينة من هجمات الأحزاب ومن ناصرَهُم. 
فرسولُنا  -صلَّى الله عليهِ وسلم- يعلِّمنا الأخذ بكل الأسباب المتاحة المُبَاحة التي توصل للغاية المرجوة في كل عمل من أعمال حياته قولا وفعلا.. 
وإن كان ما سبق يعبر عن التطبيق النبوي للأخذ بالأسباب، فقد ورد في السنة قولاً قد اشتُهر على الألسن، وهو حديث أخرجه الترمذي بسنده عن أنس بن مالك يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» -وإن كان في سند تلك الرواية كلام واختلف فيها المحققون، إلا أن معنى الحديث له شواهد كثيرة تعضّده وتقويه وتُثبتُ صحّته- وفيه ما يدلّل على أن النبيّ عاش بقانون الأخذ بالأسباب وأمر بذلك كل من تعامل معه. 
ثالثًا: الأخذ بالأسباب ضرورة بشرية: 
إنّ الأمم التي تترنّم الشعارات وحدَها دون أن تأخذ بالأسباب لتحقيق ما تصبو إليه لا يُكتب لها الريادة والتقدم. فلا يُكتب التقدّم لإنسان لمجرد أنه يحب التقدم والتفوق والريادة، كما لا تُكتب الصحة لمريض لمجرد أنه يتمنى من قلبه أنت يُشفى ويُعافَى؛ وإنما يلزم محب التقدم أن يأخذ بالأسباب التي توصله لذلك، كما يلزم المريض أن يذهب لطبيب بشريّ يحقق من خلاله العافية بإذن من يعطيها مَن يشاء من عباده. 
كذا لا يأتي الرزق لطالبه إلا بعد الحركة والسعي، قال صلى الله عليه وسلاّم: "لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا" وعلى هذا فالأخذ بالأسباب ضرورة حياتية لمن أراد أن يحيا حياة كريمة، يحقق من خلالها أمانيه ومطالبه ورغباته.
وإن عدم الأخذ بالأسباب -في ظني- سبب لكثرة الضوائق التي يمر بها الناس اليوم.. وهو سبب للاتهام بالجهل والخبل؛ فإن رجلا يزعم أنه يريد الشبع ولا يضع لقمة في فمه وبطنه متهمٌ بالخبل والجنون. 
وإن مثل ما سبق يؤكّد أنّ العبد إذا قصر في الأخذ بالأسباب عوقب بحرمان الثمرة من وراء ما يطلب وما يسعى إليه دون حركة وأخذ بالأسباب، مع تعلقه برب الأسباب لا بالأسباب المادية والبشـرية وحدها. 
رابعًا: الأخذ بالأسباب فطرةٌ في الحيوان والطير والحشرات: 
إنّ المتأمّل في عالَم النمل يراها كحشرة تفكّر بكافة أبناء مجتمعها -بقانون الأخذ بالأسباب- في تأمين طعامها كل موسم من مواسم العام.. وهكذا عالَم النّحل الذي يُحسِن الأخذ بالأسباب في توظيف الطاقات داخل الخلية، ويستبعد أي متكاسل عن الأخذ بالأسباب من الخلية؛ حتى لا يُفسد العاملين والمجتهدين منهم.. وهكذا كثير من الحيوانات تأخذ بالأسباب في معيشتها.. والعجب أنها حيوانات عجماوات لا عقل لها -كما نعلم- لكنها تُدرك غاية وجودها من العبودية والتسبيح والعمل الجاد المنضبط، مصداقا لقول الله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: 44]. 
وإن الطيور في أعشاشها لا تبقى ساكنة جالسة ماكثة تنتظر أن يأتيها غذاؤها؛ وإنما تبكّر في الذهاب لالتقاط رزقها ورزق أبنائها. والحديث السابق في قوله عليه الصلاة والسلام: (.....كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) إشارة إلى أنّ هذا العالَم العجيب من الحيوانات والطيور والحشـرات يأخذ بالأسباب متوكلا على الله في ذات الوقت..
خامسًا: من ضوابط الأخذ بالأسباب: 
1.الإخلاص لله تعالى في الأخذ بالأسباب مع اليقين بأن من وراء الأسباب مسببها وهو الله تعالى؛ فلا بد من اليقين بأنه صاحب الكون والمُلْك والتحكّم في هذا الكون كله. فيلزم اليقين قدرته سبحانه، قال تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 51]. 
2.مشروعية الأسباب التي تأخذ بها للوصول للنتائج؛ فالغايات الشريفة لا يصلح إلا الأسباب والوسائل النبيلة الشريفة. فالذي يريد أن يبني لله مسجدًا، لا يحل له أن يبنيه بمال مسروق أو مُغتَصَب، وهذا الذي يريد أن يترقّى في عمله ووظيفته، لا يحل له أن ينافق ويداهن مَن علاه في المنصب ليتزلّف من أجل المنصب الذي يريد.. فمع شرف الغاية لا بد من شرف الوسيلة والسبب الذي يأخذ به المسلم. 
3.عدم الركون إلى القضاء والقدر -وحده- دون حركة وسعي؛ فهذا من الجهل الذي أوردنا المهالك وأخرجنا من العز إلى المذلّة والهوان. ولذا كانت الأوامر الإلهية واضحة -كما تعلم أخي الكريم- في الانتشار والسعي؛ فقد ورد في سورة الجمعة قوله سبحانه: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة: 10]. 
4.الأخذ بالأسباب يكون على قدْر كلّ فعل وعمل؛ مع مراعاة فقه الأولويات في الأخذ بالأسباب، ومراعاة مآلات الأمور، كأخذه صلى الله عليه وسلّم بسبب كتابة المعاهدة بينه وبين المشـركين يوم الحُديبية لنظره إلى المستقبل القريب والبعيد، وقد جاء النصر والفتح الكبير من وراء ذلك. 
5.البعد عن المعاصي المعطّلة لثمرات الأخذ بالأسباب؛ فتزوّد العبد بالأسباب يلزمه التقوى، قال عز وجلّ: "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ" [البقرة: 197]، وكمثل الذي يعمل ويعمل ثم هو يأكل حراما، فيرفع يديه للسماء يدعو، فأنّى يُستجابُ له!! ومما يؤكّد على ذلك ما ورد عند مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ" [المؤمنون: 51] وَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ" [البقرة: 172] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟"
سادسًا: صور التطبيق في الواقع المعاصر: 
ليس معنى التدين والعبودية لله ألا تتحرّك ولا تأخذ بالأسباب.. فها هو رسول الله ^ -وهو الأكثر تدينا وحبا لربه ودينه- يوم رحلة الإسراء رأيناه يربط البراق في حلْقة من حلقات المسجد الأقصـى عند دخوله إليه للصلاة فيه، وما ذاكَ إلا ليؤكّد على قيمة الأخذ بالأسبابِ، مع أن البراق مخلوق خصيصًا لهذه الرحلة، ولن يهرب، ولن يضيعه الله بكل تأكيد، لكنها قوانين البشر يجب الالتزام بها. 
إننا بحاجة إلى نفهم التدين بصورة صحيحة واقعية.. وواقعنا يحتاج منا إلى حسن التخطيط والأخذ بالأسباب في كافة أمور حياتنا.. وقد أكّد ابن تيمية في مجموع الفتاوى أنّ ترك الأسباب نقص في العقل وقدح في التشريع فقال: (وَمَحْوُ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ). 
وإليك طائفة من الصور التطبيقية للأخذ بالأسباب في واقعنا اليوم: 
1.المريض الذي يريد العافية، مع ثقته في ربه الكبير المتعال، الذي يشفي ويمرِض، إلا أنه من باب الأخذ بالأسباب لا بد من ذهابه للطبيب، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلّم يأمر بالتداوي من الأمراض، ويأمر الصحيح بأن يأخذ بالأسباب بالبعد عن الأمراض والأوبئة، كمثل حديث الطاعون، كما عند البخاري، من حديث عبدالرحمن بن عوف ، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم، يقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ -يقصد الطاعون- بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»، وما ذاك إلا أخذًا بالأسباب، وهو أيضًا الذي أمر بالتداوي والذهاب للطبيب، ففي الحديث: عن زياد بنِ عِلاقة عن أسامةَ بنِ شَريكٍ، قال: أتيتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- وأصحابُه كأنما على رؤوسِهُم الطيرُ، فَسَلَّمتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فجاء الأعرابُ مِن هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسولَ الله: أنتداوى؟ فقال: "تَدَاوَوْا، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يَضَعْ دَاءً إلا وضع له دَوَاءً غيرَ داءٍ واحدٍ الهرَمُ"..
2.الطالب الذي يريد تميزًا ونجاحًا فلا بد له من أسباب توصله لنتيجة النجاح والتفوق، والسبب في ذلك هو المذاكرة والاجتهاد والجدّ وتنظيم وقته وصحبة الصالحين، وترتيب أوقاته وجديته في التحصيل العلمي، وبهذا أمر الله تعالى يحيى  بقوله: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم: 12].
3.الإنسان الذي يريد الرزق والسعة لا بدّ له أن يجتهد في تحصيل الرزق سعيًا ومشيًا واجتهادًا وتخطيطًا وبحثًا عن أسباب الزيادة في الرزق، فلا يكتفي بالدعاء وأو الطلب وحده من ربه سبحانه -وهو القادر بكل تأكيد-، فليبحث كلُّ إنسان عن عمل يناسبه يكفل به نفسه، ويغني به من تحت يديه، وقد قال صلى الله عليه وسلّم: "كَفَى للمرء من الإثم أن يضِيع منْ يَقُوتُ"، ويقول عمر بن الخطاب : ((لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة)).


الأخذ بالأسباب في الإسلام لا ينافي أبدا التوكل على اللها
4.الأبوان اللذان يريدان إنتاج جيل من الأبناء والبنات يحسنان حمل رسالة الإسلام ونصرتها ورفع راية أوطانهم فلا بد من الأخذ بالأسباب من حُسْن التربية والرعاية والتوجيه، لا أن يتركوا أولادهم لتربية إعلامية أو تعليمية أو مجتمعية فحسْب؛ فأساس التربية تبدأ من داخل الأسرة المسلمة، وقد قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [التحريم: 6]. ومن هذا المنطلق يجب أن يتفق الأبوان على وسائل التربية والتوجيه للأبناء وتعديل السلوكيات، لا أن يُترَك الأمر هكذا للصدَف والمفاجآت. ولا أن تكون التربية عندهما طعاما وشرابًا وملبسًا فحسب. 
5.الدُّوَل التي تطلب الريادة والتنافس بين الأمم والشعوب والانتصار على عدوّها: فلا بد من الأخذ بالأسباب في حُسْن توزيع الأدوار البشـرية، وتوظيف الطاقات الإنسانية، وصناعة ما يلزم لقوتها، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسِب، والعمل على وضع خطط للمستقبل وتوقع المشكلات ووضع التصورات الواقعية لحلها حين وقوعها، وإعداد العدّة لمواجهة أي اعتداء؛ وقد قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال: 60]، فلا بد من الأخذ بالأسباب على مستوى الدول، بدلا من أن يُفاجأ أبناء الوطن بأشياء ما كانت لهم على بال أو خاطر. 

اظهار أخبار متعلقة



وبهذا فعل سيد القادة وقائد السادة رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- في تأسيس دولته الرائدة، وإقامة السوق التجاري للمسلمين وبناء الاستقلالية الاقتصادية، وبناء دار العبادة التي توقظ الأرواح وتربطها برباط المراقبة لربها، وأسس للعلاقات الإنسانية السوية عبر فقه المؤاخاة والتعايش السلمي.. وهكذا حفظ الله تعالى دولة المدينة. 
6.الشخص الذي يريد التغيير وتطوير الذات: فلا بد من صحة العزم والأخذ بالأسباب التي تصل بك إلى التغيير؛ فالمهندس والطبيب والمحامي والصيدلي والكيميائي وكل واحد منّا بحاجة ماسة إلى مطالعة كل جديد في تخصصه، وأن يُتقِن ما عليه، وأن يُطوّر من معلوماته التي يعرفها عن تخصصه، وهكذا، فقد قال الله تعالى: "إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" [الرعد: 11]. 

اظهار أخبار متعلقة



فحَرِيّ بنا جميعا -أيها الأحباب- أن نُحْسِن الأخذ بالأسباب في التعليم والمهن والأعمال والوظائف؛ رغبة في تقدم بلادنا وأمّـتنا وإخراج جيل يفهم غاية وجوده فيتحرك سعيًا نحوها بما أوتي من قوة ووسائل مشروعة متاحة.. ونسأل الله تعالى أن يعيننا على كل خير، وأن يعصمنا من كل شر، وأن يحفظنا وبلادنا من كل سوء وبلاء. اللهم آمين..


اضافة تعليق