كثير منا تغيب عنه الحكمة، والحكمة هي معرفة ما قد يدور خلف أمر ما، وهي في النهاية تعني اليقين الشديد في الله عز وجل، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم : « يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ » (البقرة : 269).
وقد وردت كلمة (حكمة) في مواضع عديدة من الكتاب العزيز، وذهب المفسرون إلى تفسير معناها في كل موضع بحسب السياق الذي وردت فيه ، فتارة تفسر بالسنة ، وتارة بالموعظة، وتارة بالقرآن.
أما في الآية السابقة فهي تعني (النبوة ، والفقه في القرآن ، والمعرفة بدين الله ، والفقه فيه ، والاتباع له ، والخشية ، والورع).
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال في (الحكمة) : إنها المعرفة بالدين ، والفقه في التأويل ، والفهم الذي هو سجية ، ونور من الله تعالى.
كيف تعرف الحكمة؟
قد يسأل أحدهم، وكيف أعرف الحكمة، أو أن هذا التصرف من الحكمة؟.. لهؤلاء نقول لهم: انظروا لقصة سيدنا الخضر مع نبي الله موسى عليه السلام، إذ قام سيدنا الخضر بحركة مخالفة لأصل العرف والعادة، (حين خرق السفينة لقوم حملوه معهم وأكرموه.. وقتل طفلا بلا سبب ظاهر.. وأقام جدار قوم امتنعوا عن ضيافته هو ونبي الله موسى عليه السلام)
لم يكن قد ظهر لنبي الله موسى عليه السلام، الحكمة، من هذه البلاءات وتلك الاعتداءات التي ظهرت هكذا، حتى أظهر الله له الحكمة من هذا كله.
إذن ربما تغيب عنك الحكمة من بلاءات وقعت بك ولك، لكن ربما أراد الله أن يصرف عنك بلاءات أكبر وأشد خطرًا، فببلاء صغير يصرف بلاء كبير، فاحمد الله، وارض بقضاء الله، ولن يكون ذلك إلا بالإيمان اليقيني بالله، فمن يؤمن بالله يهد قلبه، ويثبته عند الشدائد والمصائب والكروب مهما كانت.
حكمة الرسول
أيضًا لكي تتعلم الحكمة الحقيقية، عليك أن تتبع حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، فكلها حكمة لاشك، فحين يقبل بصلح الحديبية بما فيه من تجني على المسلمين فإنما هي الحكمة، وحين يختار توقيت الهجرة إلى المدية، فهي لاشك الحكمة..
فقد كان من صفاته عليه الصلاة والسلام كثرة الصمت والتفكر وقلة الكلام.. ومما يورث الحكمة ما قالته الحكمة لمن يطلبها: «تبتغيني ابن آدم وأنت واجدني في حرفين، تعمل بخير ما تعلم، وتذر شر ما تعلم».. لكن كن حذرًا ألا ينطبق عليك ما جاء في الأثر: «مثل الذي يجلس فيسمع الحكمة، ثم لا يحدث إلا بشر ما يسمع، كمثل رجل أتى راعيًا فقال: يا راعي، أجزرني شاة من غنمك، فقال له: اذهب فخذ بأذن خير شاة، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم».