يقولون: إن الكلمات أحيانًا ما تكون أقوى من السيف، فما بالنا إذا كانت هذه الكلمات لرب العالمين؟.. قال تعالى: «يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً ».
كلمات حادة جدًا كالسيف يرسل الله عز وجل من خلالها إشارات مباشرة بأنه سيحشر المتقين إليه بلطف ولين، وإلى أين؟.. إلى الجنة، كأنهم على هيئة وفود، أي ضيوف مكرمين، بينما في المقابل (يسوق) المجرمين، والمعروف أنه لا يساق إلى البهائم أعزنا وأعزكم الله عز وجل، فكيف بنا نترك حسن الضيافة وكرمها، ونختار معاملة البهائم وليعاذ بالله!.
النفس المطمئنة
في الأولى (نحشر المتقين)، هي نتاج النفوس المطمئنة بربها، والتي لم تضيع وقتها فيما لا ينفع ولا يفيد، فيقول الله تبارك وتعالى: «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي»، فقدم الله عز وجل ذكر الرجوع إلى الله تعالى على دخول الجنة، ويقول في موضع آخر عن السيدة آسيا زوجة فرعون: «رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ»، فقدم (عند الله) على الجنة.
ومن ثم فإنه في هذه الآية الكريمة يقول الله تعالى: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا»، ولم يقل الجنة، لأن هؤلاء العباد المخلصين الذين سمعوا قوله تبارك وتعالى: «وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»، هؤلاء عبدوا الله تعالى لله، ولم يقصدوا سوى الله تعالى في عبادتهم، فكانت النتيجة أن يعاملوا معاملة كبار الضيوف والوفود المكرمين.
كما استخدم الله اسم الرحمن، لأنه من صفات اللطف بالعبد، والجود والكرم والإنعام والفضل والتقريب للعبد الذي أخلص في عبوديته لله عز وجل.
اظهار أخبار متعلقة
سياقة المجرمين
في المقابل، ترى المعنى صادم جدًا (يسوق المجرمين)، وهو بيان لسوء عاقبة المجرمين بعد بيان ما أعده الله للمتقين من نعيم، أى نسوق المجرمين إلى جهنم عطشًا، حالة كونهم لا يملكون الشفاعة لغيرهم ، ولا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم ، لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا وهم المؤمنون الصادقون فإنهم يملكون ذلك بمنة ومنح من الله عز وجل، كما قال الله تعالى : « مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ »، وكما قال سبحانه : « وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السماوات لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَآءُ ويرضى».
ومع صعوبة المعنى إلا أنه للأسف هناك البعض ممن يختار الطريق الثاني.. والمعنى في المجمل: (يوم نجمع المتقين إلى ربهم الرحيم بهم وفودًا مكرمين.. ونسوق الكافرين بالله سوقًا شديدًا إلى النار مشاة عطشًا).