يا من تنتظر الفرحة الأكيدة، اعلم يقينًا أنها قادمة لا محالة ولكن بموعد حدده رب الألباب سبحانه وتعالى، فكن على يقين أن الفرحة ستأتي عندما نؤمن أنها ستأتي، وهو يقين في الله عز وجل، دون أي شكوك أو يأس، إذ أنه مما لا شك فيه أن الهداية إلى الإسلام، والتمسك بالسنة النبوية المطهرة، والتوفيق إلى الطاعات والخير، من أعظم ما يفرح به المؤمنون.
وقد تظهر الفرحة في صورة "بكاء" كما يقول أهل السابق (يبكي فرحًا)، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لأبي رضي الله عنه: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ (البينة: 1)، قال: وسماني؟! قال: ((نعم))، فبكى».
فرحة المؤمن
فرحة المؤمن مختلفة، فهو قد يفرح بزيادة المال، أو لزواج، أو لأي أمر من أمور الدنيا التي يوفقه الله فيها، إلا أن الفرح الأكبر لاشك هو أن يشعر مجرد (شعور ولو بسيط) أن الله راضٍ عنه، لهذا فإن الصحابي الجليل حينما علم أن الله بذاته العليا، يطلب من نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقرأ عليه هذه السورة، بكى من شدة فرحه، لأنه أمر لا يمكن تصوره على الإطلاق، فالله تعالى بحكمته وعلمه جعل الفرح في الدنيا ناقصًا غير تام، ومؤقتًا غير مستمر، وهذا له حكمته البالغة، وغايته الحميدة.
إذ إن فرح الدنيا إذا دام وزاد أنسى صاحبه فرح الآخرة، وألهاه عن الاستعداد له، ومن ثم فإن الفرح ليس نوعًا واحدًا، بل هو أنواع، فهناك فرح مذموم، وفرح مباح، وفرح محمود، ولهذا قال تعالى عن المشركين: « ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ » (غافر: 75).
الفرح بمعصية
للأسف في هذا الزمان، كثرت الأفراح يملؤها المعصية، ولو أدرك الإنسان حقيقتها، لعلم أنها ليست بفرح حقيقي، وإنما شهوة وسيعيشها لفترة معينة وستزول، لأن الفرح الحقيقي لاشك في تقوى الله وإرضائه، ثم في النهاية السعيدة التي يتمناها كل منا، وهي الجنة، والفرح بمعصية يأتي بما يخالف شرع الله وأوامره.
قال تعالى: « فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ » (التوبة: 81).
وهناك فرح ينسيك شكر الله والعياذ بالله، ومن ذلك فرح قارون بثروته، ونسيانه فضل الله عليه، قال تعالى: « إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ » (القصص: 76).
ومن ثم فإنه على كل مسلم أن يفرح، ولكن الفرح الحقيقي وهو أنه يؤمن بالله وينتظر لقاءه، وأن يعلم جيدًا أن كل أفراح الدنيا إنما هي لا شيء أمام رضا الله عز وجل عنه.
اقرأ أيضا:
هؤلاء لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم..ماذا فعلوا؟