مع اقتراب انتهاء شهر شعبان، تتسارع نبضات القلوب المؤمنة شوقًا لاستقبال شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران. إنها أيام قليلة لكنها ثمينة، تمثل الجسر الفاصل بين موسم الطاعات الذي بدأ في رجب وشعبان، وبين أعظم مواسم العبادة في العام. ومن أحسن اغتنام هذه الأيام، أحسن استقبال رمضان، ومن فرّط فيها، فقد يفوته خير كثير.
شعبان… شهر التهيئة والاستعداد
كان النبي صلى الله عليه وسلم يولي شهر شعبان اهتمامًا خاصًا، فقد كان يكثر من الصيام فيه حتى قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان" (رواه البخاري ومسلم). وهذا يدل على أن شعبان شهر إعداد نفسي وروحي، يهيئ القلب لاستقبال رمضان بنشاط وإقبال.
إن الأيام الأخيرة من شعبان فرصة عظيمة لمراجعة النفس، والتوبة الصادقة، وتصحيح المسار قبل دخول الشهر الكريم، حتى يدخل المؤمن رمضان بقلب سليم ونية صادقة.
كيف نودّع شعبان؟
وداع شعبان لا يكون بالحزن فقط، بل يكون بالعمل والاجتهاد، ومن أهم ما ينبغي الحرص عليه:
التوبة الصادقة:
فليجعل المسلم هذه الأيام محطة لمحاسبة النفس، فيستغفر الله من ذنوبه، ويعزم على عدم العودة إليها، فالتوبة الصادقة مفتاح كل خير.
الإكثار من الاستغفار والدعاء:
فالاستغفار يطهر القلب، ويهيئه لاستقبال رمضان، والدعاء يفتح أبواب التوفيق، خاصة بالدعاء أن يبلغنا الله رمضان ويعيننا على صيامه وقيامه.
قضاء ما فات من الصيام:
من كان عليه أيام من رمضان السابق، فليبادر بقضائها إن استطاع، اقتداءً بالسيدة عائشة رضي الله عنها.
تصفية القلوب من الخصومات:
فالقلب الممتلئ بالحقد لا يتذوق حلاوة الطاعة، فلنبادر بالعفو والتسامح، ونصل ما انقطع من علاقات.
كيف نستقبل رمضان من الآن؟
الاستقبال الحقيقي لرمضان يبدأ قبل دخوله، ومن أهم وسائل الاستعداد:
تجديد النية: اجعل نيتك صادقة في استغلال رمضان في الطاعة والتقرب إلى الله.
البدء التدريجي في الطاعات: مثل المحافظة على الصلاة في وقتها، وقراءة القرآن يوميًا، والالتزام بالأذكار.
وضع خطة إيمانية: حدد أهدافًا واضحة، مثل ختم القرآن، والمحافظة على صلاة التراويح، والصدقة اليومية.
تهيئة النفس والبيت: اجعل بيتك بيئة إيمانية، وشجع أهل بيتك على الاستعداد الروحي.
رمضان… فرصة لا تتكرر
رمضان ليس مجرد شهر للصيام عن الطعام، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة، وفرصة لتغيير الحياة إلى الأفضل. وكم من أناس كانوا معنا في رمضان الماضي، ثم غيّبهم الموت، وكم من أناس ينتظرون رمضان ولا يدركونه.
لذلك، فإن حسن وداع شعبان هو أول خطوة نحو رمضان موفق ومبارك. فلنجعل هذه الأيام القليلة بداية جديدة، نطهر فيها قلوبنا، ونصدق فيها مع الله، حتى إذا أقبل رمضان، وجد قلوبًا مستعدة، ونفوسًا متشوقة، وأرواحًا متعلقة بالله.
ختامًا…
الأيام تمضي سريعًا، ورمضان على الأبواب، والسعيد من استعد، والخاسر من غفل. فلنودّع شعبان بالتوبة والطاعة، ولنستقبل رمضان بالأمل والعزيمة، سائلين الله أن يبلغنا رمضان، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام، وأن يجعلنا من المقبولين الفائزين.