لطالما اعتقد العلماء والأطباء أننا نولد بعدد معين من خلايا الدماغ، ولا يمكننا أبدُا أن ننمي خلايا جديدة، وأن مرض الزهايمر وراثي في الغالب، وبالتأكيد لا يمكن الوقاية منه، لذلك كان يُفترض أنه عندما يشيخ الدماغ، لا يمكن إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء.
غير أن دراسة حديثة حطمت تلك المعتقدات الخاطئة، بعد أن أظهرت أن أن الدماغ - على الرغم من إمكانية تضرره نتيجة الإصابة أو المرض- قادر على إنتاج خلايا جديدة، وإعادة تنظيم نفسه، وزيادة حجمه. وإذا حافظت عليه وحفزته، فسيصبح دماغك أكثر ذكاءً وكفاءة في أي مجال.
ويمكن الوقاية من ما يقرب من نصف حالات الخرف (45 في المائة) من خلال تبني نمط حياة صحي، وفقًا لتقرير صدر عام 2024 في مجلة لانسيت والذي حدد 14 عاملاً قابلاً للتعديل.
وحتى مع وجود متغير جين ApoE4، المرتبط بمرض الزهايمر، فإن ذلك لا يعني بالضرورة الإصابة بالمرض. إذ يمكن للتمارين الرياضية المنتظمة أن تقلل من خطر الإصابة به بشكل كبير.
وفحصت دراسة أجراها باحثون أمريكيون من جامعة سانت لويس عام 2012 مستويات بروتينات الأميلويد غير الطبيعية المرتبطة بمرض الزهايمر لدى الأشخاص الذين يعيشون حياة خاملة وقارنوها بالأشخاص النشطين للغاية، سواء مع أو بدون متغير ApoE4.
ووجدوا أن أولئك الذين يحملون متغير ApoE4 والذين كانوا نشطين بدنيًا للغاية لديهم نفس المستوى المنخفض من الأميلويد مثل أولئك الذين ليس لديهم جين ApoE4.
وبعبارة أخرى، فإن ممارسة الرياضة وحدها أوقفت المخاطر المرتفعة، على الأقل من حيث تراكم الأميلويد في الدماغ، مما يؤكد قوة إجراء تغييرات في نمط الحياة للمساعدة في الحفاظ على صحة الدماغ حتى سن الشيخوخة بغض النظر عن الخلفية العائلية.
لكن الأمر لا يقتصر فقط على منع الإصابة بالخرف في المستقبل، فقد وضعتُ خطوات عملية يمكنك اتخاذها لجعل عقلك أكثر حدة وسرعة الآن.
برنامج لتحسين الذاكرة
وقال الدكتور ماجد فتوحي، طبيب الأعصاب والأستاذ في معهد العقل/الدماغ بجامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة، إنه طور برنامجًا بسيطًا قائمًا على العلم لمدة 12 أسبوعًا للمساعدة على تحسين الذاكرة، وحل المشكلات بسهولة أكبر، والمساعدة في إبقاء الخرف بعيدًا.
ويشكل برنامج لياقة الدماغ الخاص به أساس كتابه الجديد، "الدماغ الذي لا يقهر"، والذي تنشره صحيفة "ديلي ميل" في سلسلة من ثلاثة أجزاء.
وأضاف: يستند البرنامج أيضًا إلى خبرتي التي تمتد لعقود فييعتمد هذا النظام على خمسة محاور أساسية: التمارين الرياضية، والنوم، والتغذية، وتبني عقلية أكثر هدوءًا، وتقنيات تدريب الدماغ. وهو مدعوم بأبحاث علمية موثوقة.
وتابع: "في دراسة أجريت عام 2016، وشملت 127 مريضًا في مركز نيورو جرو للياقة الذهنية التابع لي في واشنطن، حقق 84% من المرضى تحسنًا ملحوظًا في اختباراتهم الموضوعية والمعتمدة، وسجلوا درجات أعلى في التقييمات المعرفية خلال 12 أسبوعًا فقط. وأظهرت فحوصات الرنين المغناطيسي أن أكثر من نصفهم قد زاد حجم الحُصين لديهم - المنطقة المسؤولة عن الذاكرة - بنسبة 3%".
وأصبحت أدمغتهم أصغر بنحو ثلاث سنوات في 12 أسبوعًا فقط.
وأسفرت تجربة أجريت عام 2020 عن نتائج مشجعة مماثلة. يشمل ذلك مرضى من جميع الأعمار ممن عانوا من أعراض تراجع مستمرة لأشهر أو حتى سنوات بعد تعرضهم لإصابات في الدماغ.
وأظهر أكثر من 80% تحسنًا ملحوظًا في الانتباه والمزاج والنوم والذاكرة، فضلاً عن تحسن في الاختبارات الموضوعية للوظائف المعرفية. كما أن دماغك المرن يتميز بتخصيصه الرائع، بناءً على بيئتك وتجاربك والطريقة التي استخدمته بها.
ومن الأمثلة الجيدة على هذه القدرة على التكيف - أو المرونة العصبية - الفنانة الإيرانية زهرة إتيزاد سلطانه، التي ولدت بإعاقة خلقية أدت إلى توقف نمو يديها.
لكنها تعلمت الطبخ والنسيج والرسم بأصابع قدميها – وأصبحت فنانة، عُرضت أعمالها في 60 معرضًا حول العالم. لم تكن قدراتها تكمن في ذراعيها ويديها، بل في عقلها.
والقاعدة المهمة التي يقول الدكتور فتوحي إنه يجب تذكرها هي: ما تستخدمه ينمو، وما لا تستخدمه يتقلص. ولهذا السبب، يكمن السر في تحدي عقلك باستمرار.
عندما تتعلم شيئًا جديدًا أو تمارس شيئًا صعبًا، فإن خلاياك العصبية تطور المزيد من الروابط.
وقد تجلى ذلك في دراسة سويدية شملت 14 شابًا بالغًا أصبحوا يتقنون اللغة الروسية أو العربية بعد دورة مكثفة لمدة ثلاثة أشهر، وتمت مقارنة الطلاب بمجموعة من طلاب الجامعة العاديين من نفس العمر؛ قبل وبعد إجراء فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي لكلا المجموعتين.
بالمقارنة مع المجموعة الضابطة من طلاب الجامعة العاديين، طور طلاب دورة اللغة المزيد من الروابط الدماغية وزيادة كبيرة في حجم الحصين لديهم في ثلاثة أشهر فقط - بينما لم تظهر المجموعة الضابطة أي تغيير.
ما الذي يدور في رأسك؟
أفكارك ومشاعرك وخططك وأحلامك وأفعالك كلها تنبع من دماغك، بدءًا من الخلايا العصبية (خلايا الدماغ) التي تتغذى بالأكسجين والمغذيات.
كما أن شبكات الاتصال المعقدة، أو المشابك العصبية، حيوية أيضًا، وكذلك الخلايا "المساعدة" المتخصصة العديدة التي تمكن النظام بأكمله من العمل بسلاسة وكفاءة.
بشكل عام، نميل إلى ربط مناطق مختلفة من الدماغ بوظائف مختلفة. تحدث الوظائف الإدراكية العليا في القشرة الدماغية - الطبقة الخارجية التي تحيط بجميع مناطق الدماغ الأخرى وتتواصل معها، وتتمتع بقدرة مذهلة على التعلم والتكيف.
وفي الوقت نفسه، يلعب الحُصين دورًا رئيسًا في الذاكرة والتعلم. قد تجد أنه من المفيد التفكير في أجزاء الدماغ المختلفة أشبه بأحياء في مدينة صاخبة، ولكل منها خصائصها المميزة، لكنها متصلة بشبكات - مثل خطوط المترو المزدحمة - التي تنقل الإشارات وتحمل التدفق المستمر للمعلومات الذي يُبقي "مدينة" دماغك بأكملها حية ومزدهرة.
وتُعد الشبكات الرئيسة مسؤولة عن وظائفنا المعرفية الأساسية– اللغة، والقدرة على التركيز على التفاصيل المهمة، والرؤية، وعواطفنا، والتخطيط، واتخاذ القرارات والحركة البدنية.
والدماغ لا يوجد بمعزل عن غيره: فهو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بجميع الخلايا والأعضاء والعضلات والأنسجة الأخرى في الجسم.
وفي الظروف الطبيعية، تعمل الخلايا العصبية وفريق الدعم الخاص بها بشكل جيد معًا. يصل الأكسجين والمغذيات عبر الأوعية الدموية، ويتم التخلص من الفضلات عبر الجهاز اللمفاوي الدماغي أثناء النوم، وتضمن الخلايا الدبقية قليلة التغصنات - وهي خلايا "عازلة" متخصصة في الجهاز العصبي المركزي - سرعة الإشارات الكهربائية عبر الشبكات.
لكن تحديات مثل السمنة أو مرض السكري غير المنضبط يمكن أن تُخل بتوازن الجسم عن طريق إتلاف الأوعية الدموية والحد من إمداد الدماغ بالأكسجين والمغذيات.
ويؤثر قلة النوم على نظام التنظيف الليلي للدماغ، ويمكن أن يؤدي الإجهاد الزائد أو شرب الكحول إلى تعطيل أنماط إطلاقه الطبيعية، مما ينتج عنه خلل في عمل شبكات الدماغ.
ولفترة من الوقت، تستطيع الخلايا المتخصصة الحفاظ على استقرار الأمور. ولكن إذا استمرت المشاكل، فقد تُرهق هذه الخلايا، مما يزيد من الالتهاب الذي يُتلف الخلايا العصبية ويؤدي إلى تشوش الذهن وضعف الذاكرة.
كيف تُصنع الذكريات؟
كثيرًا ما يظن الناس أن الذاكرة هي استرجاع شيء من الماضي - ذكرى من الطفولة أو مكان ترك مفاتيحك. لكن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك.
الذاكرة قابلة للتغيير ويتم إعادة تفسيرها باستمرار من خلال فهمنا للعالم وعواطفنا.
وحددت الأبحاث أربع مراحل رئيسة لصنع الذكريات:
:
الاكتساب: يستقبل دماغك المشاهد والأصوات والأحاسيس من العالم الخارجي. ولكن لتسجيلها بنجاح، عليك أن تكون منتبهًا. ما تركز عليه يصبح أساس ذاكرتك. تعتمد هذه الخطوة على قشرة الفص الجبهي، التي تسجل أي شيء جديد وتحتفظ به في مكان واحد جاهزاً للمعالجة.
التثبيت: هي عملية تجري في الخفاء لتنظيم وتثبيت ما تم جمعه للتو، أشبه بترتيب الصور في ألبوم. يلعب الحصين دورًا محوريًا في تحديد ما يستحق التذكر وما هو "غير ذي صلة"، لأن الدماغ لا يستطيع تخزين كل الذكريات.
التخزين: بمجرد تنظيم كل مكون من مكونات الذاكرة وتشفيره، يتم تخزينه في جزء مطابق من القشرة الدماغية، والذي يعمل كخزانة ملفات. يتم تخزين صورة وجه جديد في القشرة البصرية، بينما يتم تخزين أغنية في القشرة السمعية.
الاسترجاع: يُعيد هذا العملية إحياء الذكريات، مما يسمح لك بتذكر مشهدٍ حيوي أو كيفية ركوب الدراجة. خلال الاسترجاع، تتحد عناصر الحدث في عملية تشمل أجزاءً عديدة من القشرة الدماغية - المناظر والأصوات والمذاقات والأحاسيس، كلها تُجمع معًا في قصة متماسكة واحدة.