الشيخ النقشبندي.. صوت من السماء

الأربعاء، 13 مارس 2019 12:46 م

لا يوجد مصري أو عربي محب لفن التواشيح والابتهالات الدينية ولم يعشق صوت الشيخ سيد النشقبندي، الذي ارتبط في أذهان الكثيرين بالأدعية والابتهالات في شهر رمضان، كان صوته يوصف بأنه لحن من ألحان السماء، ويتسم بخلق التواضع والحب للناس، كان يحب الفقراء ولا يحلو له الجلوس إلا معهم والعيش معهم.

هو صاحب مدرسة متميزة في الابتهالات، كان يتمتع بصوت يراه الموسيقيون أحد أقوى وأوسع الأصوات مساحة في تاريخ التسجيلات، ولقب بالصوت الخاشع، والكروان.

ولد الشيخ سيد النقشبندي في قرية "دميرة" بمحافظة الدقهلية في 12 مارس 1921، واسمه بالكامل سيد محمد النقشبندي، وكلمة "نقشبندي" مكونة من قطعتين هما "نقش" و"بندي" ومعناها فى اللغة العربية هو القلب أو نقش الحب على القلب، والنقشبندى نسبة إلى فرقة من الصوفية.

وهو طفل صغير انفصل أبوه عن أمه، وتزوجت أمه برجل آخر، وتركت محافظة الدقهلية، وانتقلت للعيش مع زوجها في "طهطا" بسوهاج، وتربي هناك، وعندما كبر، عاد إلى أبيه، وكان يعيش معه فترات طويلة.

في طهطا حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ أحمد خليل قبل أن يستكمل عامه الثامن وتعلم الإنشاد الديني في حلقات الذكر بين مريدي الطريقة النقشبندي، كان يتردد على موالد الصعيد كلها، وحفظ أشعار البوصيري وابن الفارض.

وفي عام 1955 استقر في محافظة الغربية، تزوج ابنة خاله، وعاش فى طنطا بجوار أولياء الله.. وعندما ذاع صيته في مصر والعالم العربي والإسلامى، وطُلب منه أن ينتقل للعيش في القاهرة رفض، وقال: سأعيش هنا، وسأموت هنا.
أولى الابتهالات التي سجلت بصوته كانت في سوريا عام 1957، وكان قتها يؤدي مناسك الحج في السعودية، وتعرف على الشيخ السوري محمد علي المراد ودعاه لزيارة سوريا، وهناك أحيا ليالي من الإنشاد والليالي الجميلة.

كانت بداية تعرف المصريين على صوته من خلال برنامج "في رحاب الله"، الذي كان يقدمه الإعلامي أحمد فراج، وذلك عندما سمعه في مولد الإمام الحسين، فسجّل معه بعض التسجيلات، ولاقت صدى جماهيريًا كبيرًا، فطلب منه تقديم أدعية بصوته مدته 5 دقائق بعد صلاة المغرب كل يوم في شهر رمضان.

وسجل بالفعل العديد من الأدعية الدينية لبرنامج "دعاء" الذي كان يذاع يوميًا عقب آذان المغرب، كما اشترك في حلقات البرنامج التليفزيوني "في نور الأسماء الحسنى"، ثم ازدادت شهرته عندما بثت الإذاعة المصرية عملاً تحت اسم "الباحث عن الحقيقة سلمان الفارسي"، حيث أدى النقشبندي قصائد العمل، بالإضافة إلى مجموعة من الإبتهالات الدينية التي لحنها محمود الشريف وسيد مكاوي وبليغ حمدي وأحمد صدقي وحلمي أمين.

وترك للإذاعة ثروة من الأناشيد والابتهالات، إلى جانب بعض التلاوات القرآنية لدى محبيه، من أشهر أعماله: "يارب كرمك علينا، ربنا، ليلة القدر، النفس تشكو، مولاى، أيها الساهر".

وصف الدكتور مصطفى محمود في برنامج "العلم والإيمان"، الشيخ سيد النقشبندي بقوله إنه "مثل النور الكريم الفريد الذي لم يصل إليه أحد"، وقد أجمع خبراء الأصوات على أن صوته من أعذب الأصوات التي قدمت الدعاء الديني، فكان صوته مكونًا من ثماني طبقات، وكان يقول الجواب وجواب الجواب وجواب جواب الجواب، وصوته يتأرجح ما بين الميترو سوبرانو والسبرانو.
على اتساع شهرته وتجاوزها مصر للعالم الإسلامى، تلقى دعوات من الدول الإسلامية في دول الخليج وسوريا وإيران وعدد من دول المغرب واليمن، وفي الستينيات ذهب لأداء عمرة، وشدا بصوته بابتهالاته وأناشيده، وقد حصل على العديد من الأوسمة والنياشين من الدول التي زارها.

كان الرئيس الراحل أنور السادات من عشاق صوته، وفي حفل زفاف ابنته، طلب منه أن يقوم بأداء ابتهالات من ألحان الموسيقار بليغ حمدي، والذي خرج عن النمط التقليدي للأغنية الدينية وأدخل "الأورج" و"الجيتار" في ألحانه هذه، ومنها "مولاي إني بباك"، "الساهر"، "بدر الكبرى"، "أخوّة الحق"، "يا دار الأرقم" و"أقول لأمتي".

توفي إثر نوبة قلبية في 14 فبراير 1976، وعمره لم يتجاوز الـ55 عامًا، لم يعان قبلها من المرض، لكنه شعر بدنو أجله قبل يومين من وفاته، وكان قد وصل للقاهرة مساء ليلة الخميس للمبيت عند أخته، استعدادًا للذهاب إلى مسجد التليفزيون يوم الجمعة 13 فبراير 1976 لتلاوة قرآن الجمعة، فقد شعر بعد صلاة العشاء بتعب في الصدر، وحاول الاعتذار عن الذهاب للتليفزيون، لكنه فشل فى التواصل مع أى أحد من قيادات "ماسبيرو".

وتحامل على نفسه قدر الإمكان، حتى جاء موعد الذهاب إلى التليفزيون، وصلى الجمعة وعاد إلى طنطا بالليل، وأثناء مروره في الشارع المؤدي لبيته شاهد سرادق عزاء كبيرًا، نظر إليه وهو يقول لأحد مريديه الذي كان يصاحبه: كم أرى الجمال في هذا السرادق يا صديقي، تعجب الرجل من قوله، وقال له: لماذا تقول هذا الكلام يا مولانا: رد: لأننى سأموت، انزعج صديقه من قوله، وقال له: لماذا تقول هذا يا سيدنا الشيخ؟.. واصل سيره حتى وصل إلى بيته، واستلقى على سريره، وسلم على أولاده كلهم، ثم نهض من سريره، واصطحب صديقه.. ونزل من بيته وذهب يمر على كل الجيران والأصدقاء يسلم عليهم ويودعهم، وأثناء ذلك تم استدعاء طبيب صديق له.. وطلب منه إجراء بعض الفحوصات والتحاليل الطبية في المستشفى في الوم التالي، وأثناء وجوده بالمستشفى كان يجلس على كرسي، وفجأ أسند رأسه للخلف، ونطق بالشهادة ثم مات.

كرمه الرئيس السادات عام 1979م بمنحه وسام الدولة من الدرجة الأولى، وذلك بعد وفاته. كما كرمه الرئيس الأسبق حسني مبارك في الاحتفال بليلة القدر عام 1989 بمنحه وسام الجمهورية من الدرجة الأولى، وذلك بعد وفاته أيضًا.
كرمته محافظة الغربية التي عاش فيها ودفن بها، حيث أطلقت اسمه على أكبر شوارع طنطا والممتد من ميدان المحطة حتي ميدان الساعة.

اضافة تعليق