"امرؤ القيس" شاعر أذهل العرب.. سمع خبر مقتل أبيه.. فقال "اليوم خمر وغدًا أمر"

بقلم | محمد جمال | الاثنين 05 اغسطس 2019 - 12:23 م

قد ينشغل الشخص بعمل شيء ما لدرجة انهماكه الشديد فيه حتى وأن جاءه أمر آخر أشد أهمية، فلا يعطيه الاهتمام حتى يكمل ما هو يقوم بفعله، إلا أن الشاعر الجاهلي امرؤ القيس، وصل انهماكه الشديد بشرب الخمر، لدرجة أنه سمع خبر مقتل والده، فاستمر فيما هو فيه من اللهو والخمر، وقال قولته المشهورة: "اليوم خمر وغدًا أمر".

وقائل هذا المثل هو الشاعر الجاهلي أمرؤ القيس، كان أمرؤ القيس من قبيلة يمنيه اسمها قبيلة كندة، وكان أباه هو الملك حُجرًا، قد طرده أباه وأقسم بألا يقيم معه، فذهب أمرؤ القيس وهام بوجهه في أحياء العرب هو ورفاقه، فكان إذ صادفه صيد ذبحه وأكله هو ومن معه، وعند الانتهاء من الصيد وأكله كان يشرب الخمر مع رفاقه حتى أتاه خبر مقتل أبيه.

وكان والد امرؤ القيس قد أوصى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، أن يعطى الملك من بعده لمن يأخذ خبر موته دون أن يجزع، ولما سمع أبناؤه خبر قتل أبيهم ،جزعوا جميعًا إلا أمرؤ القيس، فقد كان في مجلس مع رفاقه يلعب النرد ويشرب الخمر، وعندما قيل له خبر وفاة أبيه لم يهتم لما قيل وأكمل لعبه وطلب من رفيقه أن يرمي النرد، فلما لعب قال له ما كنت لأفسد عليك لعبك ، ثم نظر إلى الناعي، وقال: ضيعني صغيرًا وحملني دمه كبيرًا ، لا صحو اليوم ولا سُكر غدًا، اليوم خمر وغدًا أمر.

وأخذ أمرؤ القيس يشرب الخمر كثيرًا حتى فاق وأخذ على نفسه عهدًا ألا يأكل ولا يشرب خمرًا ولا يقرب من النساء حتى يثأر لأبيه.

عبقريتهوشعره

يعد امرؤ القيس من الشعراء الجاهليّين العرب الأفذاذ، الذين ذاع صيتهم وانتشر، وهو من شعراء المعلّقات المشهورة، وقد لُقّب بالعديد من الألقاب التي منها ذو القروح، وحندج، والملك الضليل، ومعلّقته المعروفة قفا نبكِ من أجمل القصائد العربيّة، ويعتبر بذلك رأس الشعراء العرب، وقد وقف على دراسة حياته وشعره الكثير من النقّاد واللغويّين العرب، وحلّلوا قصائده تحليلاً تفصيليّاً أظهروا ما تُخفيه من معانٍ وجمال.

ولد امرؤ القيس في منطقة بطن عاقل في نجد، نشأ حياته في الترف واللهو، شأنه في ذلك شأن أولاد الملوك، وقد كان يفحشُ في غزله، وفي سرد قصصه الغراميّة، وسلك في شعره مسلكاً قد خالف فيه تقاليد البيئة، ويُعتبر من الشعراء الذين دخلوا بشعرهم إلى مخادع النساء، وكثيراً ما كان يتسكّع مع صعاليك العرب معاقراً للخمر، وبذلك فقد التزم نمطَ حياة لم يرضَ عنها والده، فقام بطرده وإرجاعه إلى أعمامه وبني قومه في حضرموت مُتأمّلاً في تغييره، ولكنه استمرّ في مجونه، واستدام بمرافقة الصعاليك.

ولم يعشْ امرؤ القيس طويلاً، ولكن كثرة ترحاله وتجاربه التي مرَّ بها فاقت أضعاف السنين التي عاشَها، فقد أمضى بدايةَ حياته في الشرب واللهو، ولكن سرعان ما تحوّلت إلى حياة مسؤوليّة أثبت فيها أنه فارسٌ مغوار حين أخذ على نفسه عهداً بالثأر لموت والده، الذي كان سبباً في صقل ملَكَته، وإذكاء وهجها، ومن تلك المرحلة في حياته كَثُر تنقله وترحاله حتّى وصل به المطاف إلى أنقرة، حيثُ حلَّ بجسده التعب وأنهكه المرض حين أصابه الجدريّ الذي كان سبباً في وفاته، وكان ذلك كما يُرجحُه المؤرخون في سنة خمسمائة وأربعين ميلاديّة، ويقع قبره في العاصمة التركيّة أنقرة على تلة هيديرليك.

 وكان شعر امرئ القيس عفويًا في التعبير عن خطرات قلبه ومعاناته، ينساقُ بأنسام البوادي، وقسوة الفيافي، وكغيره من الشعراء الجاهليين فقد اتسم شعره أيضاً بصدق التعبير، وبساطة الأخيلة والتشبيهات بالرغم من الألفاظ التي نراها غريبة وغير مفهومة، فقد جاءت تلك التشبيهات من البيئة المحيطة به والواقع الذي يعيشه، إلى جانب بساطة ووضوح قصائده بالرغم من تعدّد الموضوعات فيها من فخرٍ، ورثاء، وغزلٍ، كما هو معروف من تقاليد فنيّة عند الشعراء، أمّا لغتُه فتتميّز بالرقة في الغزل والنسيب، وبالفخامة والجزالة في الفخر والمدح.

ومن شعر امرؤ القيس

ترى بَعَرَ الأرْآمِ في عَرَصاتِها**** وقيعانها كأنه حبَّ فلفل

 كأني غَداة البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَلّوا **** لدى سَمُراتِ الحَيّ ناقِفُ حنظلِ

  وُقوفاً بها صَحْبي عَليَّ مَطِيَّهُمْ **** يقُولون لا تهلكْ أسى  وتجمّل

موضوعات ذات صلة