الشيخ راغب مصطفى غلوش.. "شاويش" بدرجة "مقرئ"

عاصم إسماعيل الأربعاء، 05 فبراير 2020 12:54 م


ولد في 5 يوليو 1938 بقرية برما، مركز طنطا بمحافظة الغربية، أراد والده أن يلحقه بالتعليم الأساسي ليكون موظفًا كبيرًا، وكان الناس في ذلك الوقت يهتمون بتحفيظ أبنائهم القرآن ليكونوا علماء بالأزهر، وأشار أحد الأقارب على والده بأن يأخذه ويسلمه لأحد المشايخ المحفظين لكي يحفظه القرآن، فما كان منه إلا أن سمح له بالذهاب إلى الكُتاب بعد انتهاء اليوم الدراسي.

اظهار أخبار متعلقة



وسرعان ما أعلن الطفل راغب مصطفى غلوش عن نفسه كموهبة فريدة، لتميز صوته وعذوبته
وسرعان ما أعلن الطفل راغب مصطفى غلوش عن نفسه كموهبة فريدة، لتميز صوته وعذوبته

، فكان بينما لا يزال في الثامنة حديث أهل القرية وخاصة المحفظين والحفظة، وفي الرابعة عشرة من عمره ذاع صيته بالقرى المجاورة حتى وصلت مدينة طنطا معقل العلماء، وتوالت إليه الدعوات من القرى والمدن القريبة من قريته في شهر رمضان عام 1953 بقرية محلة القصب بمحافظة كفر الشيخ، وكان عمره (15 سنة).

كانت المهمة شديدة الصعوبة في البداية، فكيف يحتل المكانة المرموقة وسط جو يموج بمنافسات ضارية بين جهابذة تربعوا على عرش التلاوة في هذه البقعة بوسط الدلتا والوجه البحري وخاصة محافظة الغربية التي نشأ فيها الشيخ راغب في ظل وجود عملاقين الأول الشيخ مصطفى إسماعيل، والثاني الشيخ محمود خليل الحصري، وكل منهما نشأ في إحدى قرى طنطا، والتي إحدى قراها قرية برما منشأ الشيخ راغب.

 

طموح وإرادة 


لم يعبأ القارئ الشاب والفتى الطموح بما يسمع وما يرى من احتدام المنافسة فكان لزامًا عليه أن يبحث عن العوامل التي تساعده على الوقوف على أرض صلبة وقواعد متينة من خلالها يستطيع أن يلبي دعوة ربما يصادفه فيها واحد من هؤلاء، ففطن إلى أن المجد لا يقبل من تلقاء نفسه وإنما يجب على طالبه أن يسعى إليه بالجهد والعرق والمثابرة.

بحث عن شيخ متين في علوم القرآن ليتلقى عليه علمي التجويد والقراءات، فاتجه إلى قبلة العلم القرآني بمدينة طنطنا والتحق بمعهد القراءات بالمسجد الأحمدي، وتوّلاه بالرعاية الشيخ إبراهيم الطبليهي، وأهله ليكون قارئًا للقرآن بالمسجد الأحمدي، وخاصة بين أذان العصر والإقامة، ودخل قلوب الكثير من الناس، ودعيي للسهر بمعظم قرى محافظة الغربية وعرفت بالمحافظات المجاورة.

استطاع القارئ الشاب أن يصنع له مجدًا وهو صغير قبل أن يبلغ الثامنة عشرة، حتى طُلب للتجنيد وأداء الخدمة العسكرية، فتقدم للتجنيد عام 1958، وكان عمره 20 عامًا تم توزيعه على مركز تدريب بلوكات الأمن المركزي بالدراسة، ساعده ذلك على التردد على مسجد الإمام الحسين عنه، حيث كان يتطلع لأن يقرأ ولو آية واحدة بأكبر مساجد مصر.

تعرف على شيخ المسجد الشيخ حلمي عرفه، وقرأ أمامه ما تيسر من القرآن فأعجب به، وذات يوم أفصح له عن رغبته بأن يسمح له بالأذان وقراءة "عشر" قبل إقامة الصلاة، فوعده إن تأخر الشيخ طه الفشني بأن يؤذن العصر ويقرأ "العشر"، وهو ما حصل، فلم يحضر الشيخ، وجاءت الشاب الطموح الفرصة التي يتمناها كي يعبر عن نفسه.

 

قارئ بالزي العسكري

 

كان مرتديًا الزي العسكري الذي لفت أنظار الناس إليه، وكان ذلك في شهر رمضان، والصوت في الصيام يكون رخيما وناعمًا وجميلاً عذبًا، فتلا ما تيسر من سورة "الحاقة"، فانقلب جو المسجد إلى ما يشبه سرادقًا في ميدان، واندمج في التلاوة بتشجيع الناس له، ووصل وقت التلاوة إلى أكثر من نصف ساعة، وعاد إلى المعسكر وفرحته لا توصف، ما جعل القائد يسلمه مسجد المعسكر كمسؤول عنه طوال مدة خدمته، وكان يسمح له بالخروج في أي وقت فكان يتردد كثيرًا على مسجد الإمام الحسين واشتُهر به، وفرح بذلك لأنه يقرأ بمسجد يقرأ السورة به الشيخ محمود خليل الحصري، ويؤذن به الشيخ طه الفشني ويلقي الدرس به والخطبة العالم الشيخ محمد الغزالي.

ولما علم قائد المعسكر بالأمر سلمه مسجد المعسكر كمسؤول عنه طوال مدة خدمته بل وكان يسمح له بالخروج ليتردد على مسجد الحسين مما جلب له الشهرة في مسجد يقرأ السورة به المرحوم الشيخ محمود خليل الحصري ويؤذن به المرحوم الشيخ طه الفشني ويلقي الدرس به والخطبة المرحوم العالم الجليل الشيخ محمد الغزالي.

وفي مسجد الحسين أيضًا حقق انطلاقة أخرى، فقد تعرف فيه إلى كبار المسؤولين بالدولة، وتقرب منهم وشجعوه على القراءة أمام الجماهير ليزيل الرهبة من نفسه، وكانوا وراء الدعوات التي وجهت إليه لإحياء مآتم ومناسبات بالقاهرة زامل فيها مشاهير القراء بالإذاعة، أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبدالباسط عبدالصمد والشيخ محمود خليل الحصري وغيرهم.

 

أصغر قارئ بالإذاعة

 

أيضًا كان من بين رواد المسجد الحسيني محمد أمين حماد، مدير الإذاعة الذي منحه الفرصة للخضوع لاختبار لجنة القراءة في الإذاعة

أيضًا كان من بين رواد المسجد الحسيني محمد أمين حماد، مدير الإذاعة الذي منحه الفرصة للخضوع لاختبار لجنة القراءة في الإذاعة
، وذلك قبل إنهائه الخدمة العسكرية بشهر، حين تم اختباره مع حوالي 160 قارئًا، وكانت اللجنة مكونة من كبار العلماء كالدكتور محمد أبوزهرة، والشيخ السنوسي، والدكتور عبدالله ماضي، ولجنة الصوت مكونة من محمود حسن إسماعيل الشاعر المعروف، والإذاعي حسني الحديدي، ومحمد حسن الشجاعي، والدكتور أبوزهرة.

وتلا على أسماعهم من قوله تعالى "مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون (160) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)" الأنعام.

وأثنى عليه أعضاء اللجنة وكان ضمن السبعة الناجحين من مائة وستين قارئًا، وكانت درجاته مرتفعة في الحفظ والتجويد والأحكام، وبعدها دخل تصفية لإجراء الصوت فقط، ما أكسبه ثقة بنفسه لا حدود لها لأنه قطعت ثلاثة أرباع المسافة في طريق الوصول إلى الإذاعة واقترب جدًا من الدخول بين كوكبة من مشاهير القراء بالإذاعة وكانوا كلهم أفذاذًا ومشاهير وأصحاب شهرة عالية، أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ محمد صديق المنشاوي، والشيخ طه الفشني، والشيخ عبد العظيم زاهر، والشيخ كامل يوسف البهتيمي، والشيخ عبدالباسط عبدالصمد، والشيخ محمود علي البنا وغيرهم من عظماء القراء من مدارس مختلفة.

وبعد أقل من شهر، خاض اختبار التصفية وكان التوفيق حليفه، بعد ذلك انشغل بإجراءات انتهاء الخدمة العسكرية، وظهرت النتيجة في تلك الأثناء، وبينما كان عائدًا إلى بلدته "برما" وجد استقبالاً أهل القرية له، وهم يهنئونه ويباركون له، والسعادة تعمرهم، فاستغرب وقال لهم: "هو أنتم عمركم ما شفتم عسكري خرج من الخدمة إلا أنا إيه الحكاية؟ فقالوا هو أنت ما سمعتش الخبر السعيد؟ فقلت لهم: وما هو الخبر السعيد؟ قالوا: صورتك واسمك في كل الجرايد بالخط العريض": "شاويش ومقرىء"، وكان عمره 22 عامًا وقتها ليصبح أصغر قارئ بالإذاعة في عصرها الذهبي وذلك عام 1962.

سافر الشيخ راغب إلى معظم دول العالم، وأمتع الناس بتلاواته، وظل يتلو قرآن الفجر مرة كل شهر بأشهر مساجد مصر، فضلاً عن تلاوته يوم الجمعة والمناسبات الدينية عبر موجات الإذاعة وشاشات التليفزيون إلى أن توفي في 4 فبراير 2016 عن عمر يناهز 77 سنة.

 


اضافة تعليق