لأهل الجنة رجاء ودعوات مستجابة بإذن الله، بينما لأهل النار، أمنيات، لا يمكن أن تتحقق أبدًا، وهذا هو الفارق بين من قدم حياته للعيش في استقرار نفسي، يتبع ما جاء به نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، وبين من رفض ذلك وليعاذ بالله.
فأماني أهل النار مطالب مستحيلة لأن كل شيء انتهى.. لذلك يصورهم القرآن الكريم في أربعة مشاهد هي:
الأمنية الأولى: «رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ».. يطلبون العودة للحياة وإتيان العمل الصالح، وعدم ظلم أنفسهم، فتكون النتيجة أن يرد عليهم المولى عز وجل بقوله: «قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ».. هنا يقول لهم المولى عز وجل صراحة (امكثوا فيها صاغرين مُهانين أذلاء ولا تعاوِدوا السؤال، لا جوابَ لَكُم عندي)... حتى ييأس أهل النار من رحمة الله عز وجل، ويوقنون بأنه لا مخرج لهم من هذا العذاب!
أهل النار ومالك
المشهد الثاني الذي يصور أهل النار مع الأماني، هو أنهم يلجأون إلى خازن جهنم، سيدنا مالك عليه السلام، يطلبون منه الأمنية الثانية: «وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّك».. تخيل أن يتمنوا الموت النهائي حتى ينتهي عذابهم.. ويقال في التفاسير إن مالك لا يرد عليهم في لحظة سؤالهم، وإنما يتركهم ألف عامٍ ثم يجيبهم: « قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ ».. أي ماكثون خالدون فيها لأبد الأبد وليعاذ بالله!
وفي المشهد الثالث يتوجه أهل النار لخزنة النار، وهم من الملائكة، بأمنيتهم الثالثة: «وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ».. يوم واحد فقط، يوم واحد نستريح فيه من هذا العذاب.. لكن الملائكة ترد عليهم: «قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۚ قَالُوا فَادْعُوا ۗ »، أي ادعوا لأنفسكم، نحن لا ندعوا لكم ولا نسمع منكم ولا نود خلاصكم، ونحن منكم برآء، «وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ»، أي سواء ظللتم تدعون أو لا تدعون في كل الأحوال فإن دعاؤكم غير مستجاب، ولا منفذ لكم من العذاب ولا راحة ولا تخفيف.
اقرأ أيضا:
"اقرأ".. روشتة القرآن لبناء العقل وتزويده بوقود الفكرالنار والجنة
حينما ييأس أهل النار تمامًا لا يجدون سوى المشهد الرابع، وفيه يلجأون إلى أصحاب الجنة، «وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ»، أمنية بسيطة جدًا جدًا، يريدون شربة ماء.. أو رشفة ماء، «أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ»، أو أي شيء مما أنعم الله عليكم به، ويقال في التفاسير أن الرزق في الآية المقصود به الطعام.. فتكون الإجابة صادمة جدًا: «قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ»..
لكن من هم أهل النار: «الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا
وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ».. فاللهم اعف عنا وتجاوز عن سيئاتنا.