عزيزي المسلم، اعلم أنه رغم الألم الشديد الفقد، إلا أنه يبصرك بحقيقة الدنيا.. وبقدر وجع الخذلان لكنه يعينك على فراقهم.. وبقدر ما سعيت ولم تصل لكنك من المؤكد فهمت أن العبرة ليست بالنتائج، وبقدر أن الحرمان صعب لكنه يشعرك بقيمة النعم، وبقدر أن رضا الناس عنك استنزف طاقتك إلا أنه علمك كيفية الاستغناء، وبقدر أن التعلق قد يميتك إلا أنه يعلمك أنه ليس هناك من يحرصك ويحميك سوى الله عز وجل، وبقدر أن الظلم مؤذي جدًا لكنه يعلمك كيف تتعرف على قدرات المولى عز وجل،
أيضًا بقدر كثرة لحظات انهيارك إلا أنها كانت لاشك الطريق إلى قوتك ، وبقدر ما أوقعتك الصدمات إلا أنها لاشك كانت سببا في أنك تستسهل بعدها أي شيء، وبقدر أن مواجهة المواقف صعبة .. لكن من غيرها لن تعرف حقيقتك .. وبقدر أن الحيرة متعبة إلا أنها سببا لأن تتعرف على ما تريده، وبقدر تعودك على الوجع إلا أنه كان سببًا في أنك ترى ألطاف الله، وبقدر أن الدروس صعبة، إلا أنها من دونها لم تكن تتعلم كيفية التسليم إلى الله سبحانه.
الحياة رحلة
اعلم عزيزي المسلم، أن الحياة رحلة.. لكنها رحلة تسليم .. رحلة تحمل معنى قوله تعالى: (عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ).
هل تتخيل ماذا يعني التسليم الحقيقي لله؟.. يعني لا عطاء تتعلق به و لا منع يخضك .. يعني حبك و كرهك كله سلمته لله عز وجل !
هذه المرحلة ليست بالساهل .. لأنها رحلة طويلة .. رحلة كَبَد تأكيدًا لقوله تعالى: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ) .. كَبَد حتى يخرج أفضل ما فيك .. كَبَد يجعلك تتعرف على الله عز وجل وقدراته جيدًا.. (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ).. فاللهم أرزقنا بالقدرة على المجاهدة و الصبر على المنع و حسن الشكر على العطاء .. و اهدنا الصراط المستقيم في كل خطانا يا رب ..
دار مشقة
هذه هي الدنيا، دار مشقة، ولعل من الحكمة في ذلك أن لا يركن الإنسان إلى الدنيا فيخلد إليها ويظن أنها نهاية المطاف، ولكن إذا جاهد فيها فسيتعلق قلبه بدار لا نصب فيها ولا وصب، وسيشتاق إلى جوار الرحمن في جنة الخلد، قال صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء».. وقيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: «عند أول قدم يضعها في الجنة».