حذر الله تعالى عباده من الوقوع في أمراض القلوب واعتبرها أخطر من أمراض الأبدان فإذا كان القلب مريضًا ترتب على هذا أضرار كثيرة من سوء الخلق وضعف الإيمان والإضرار بالخلق وافتعال الخلاف وانتشار الرذائل وغير ذلك من الآفات العظام.
الكبر أخطر أمراض القلوب:
ويعد الكبر واحدًا من أخطر الأمراض التي إن أصابت قلب أحد أردته قتيلاً في محراب الرذائل؛ فمن يتكبر على الناس لا يرى غير نفسه ولا يسمع غير صوته ولا يقتنع إلا بما يراه، ومن ثم يفرض وجهة نظره على كل من حوله وتراه يتعامل مع الآخرين بتعالٍ واستعلاءٍ من هنا يكرهه الناس ولا يحب أحدٌ صحبته حتى أهل بيته، ومن يضطر لمعاملته فعلى مضض وضيق.
وعلى جانب آخر، يجد المتكبرون وسائل ترضي غرورهم من ضعاف الشخصية الذي يجاملونهم وينافقونهم، وهؤلاء يثنون على المتكبرين خاصة إن كان هؤلاء المتكبرون أصحاب حظوة غنى أو مكانة فيزداد اقتناعهم بآرائهم ويحسبون أنهم على شيء.
معنى الكِبــر:
والكبر داء حذر الإسلام منه تحذيرًا شديدًا لأن الإسلام جاء لنشر المحبة والوئام بين الناس وكرّه الاستعلاء والطبقية والتمايز ووضع حدا لذلك وألم الجميع بأن أكرمكم عند الله تعالى أتقاكم لا أغناكم ولا أصحاب المكانة فيكم.. والكبر الذي ذمه الإسلام بهاذ المعنى هو شعور خادع بالاستعلاء، مصحوب باحتقار الناس والترفع عليهم، فهو انفعال داخلي يعتري قلب صاحبه، كما قال الله تعالى: "إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ" وما يظهر من سلوكيات المتكبر ترجمة لهذا الانفعال الداخليّ المقيت.
منه هنا ذمّه الإسلام لأنه يجعل صاحبه يحتقر ما حسّنه الله وجمّله وخلقه في أحسن تقويم وهو (الإنسان). ويحدث الكبر لنسيان الإنسان لحقيقة نفسِه وحقيقة خلقه.
تحذير الإسلام من الكبر:
هناك العديد من النصوص التي تبين أن الكبر آفة وتأمر بالتواضع بين الناس منها قوله تعالى: "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا".. وإنه لا يحب المتكبرين.. ولا يعني هذا إن من يحب أن يحسن الثوب وغير ذلك أن يكون متكبرًا، فلو انتفت نية الخيلاء والعجب عند لبس الثوب ولو طال فيكون خارجا من تلك العقوبة وإن كان يفضل ألا يتشبه بصفات المتكبرين؛ ففي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ».
وفي حديث يوضح الأمر أكثر ففي سنن أبي داود عن أبي الأحوصِ قال: أتيتُ النبي -صلَّى الله عليه وسلم- في ثوب دُونٍ، فقال: "ألكَ مالٌ؟ " قال: نعم، قال: "مِنْ أيِّ المالِ؟ " قال: قد آتاني اللهُ مِن الإبل والغَنَمِ والخيلِ والرَّقيقِ، قال: "فإذا آتاكَ اللهُ مالاً فليُرَ أثرُ نِعْمَةِ اللهِ عليكَ وكرامتِهِ"، وعلى هذا فإنّ صفة الكبر الحقيقية: (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ).
الإسلام يأمر بالتواضع ويحث عليه:
وفي حين حذر الإسلام من الكبر صوره الكثيرة في القول والعمل فإمنه من اجانب آخر يأمر بالتواضع ويحث عليه والتواضع نقيض الكبر فمن تواضع بين الخلق رفعه الخالق، ومن تعالى وتكبر وضعه الخالق.. ففي الحديث عند أحمد بإسناد فيه ضعف عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً رَفَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً، حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ دَرَجَةً وَضَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً، حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ".
أما المتواضعون فيبشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفعة قيمة ومقاما؛ ففي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ".
والمتواضعون محبوبون من أقربائهم والمتعاملين معهم ومحبوبون من الناس أجمعين، وفوق كل هذا محبوبون من الله تعالى وموعودون بالثواب العظيم في الجنة.