مما لاشك فيه أن جبر الخواطر من أجّل الأعمال وأقربها إلى الله عز وجل، فمن سار في الناس جابرا للخواطر أدركته العناية ولو كان في جوف المخاطر، حتى أنه من أشهر الأدعية في ذلك «اللهم يا جبار السموات والأرض أجبر خاطري جبرا يليق بجلالك».
سأل رجل، النبي صلى الله عليه وسلم، «أريد الجنة»، فقال النبي: «أحب للناس ما تحبه لنفسك تدخل الجنة»، ومن ثم فأن جبر الخواطر ومراعاة ظروف الناس والمسح على كسرهم من سمات الأنبياء.. فما كسر أنبياء الله تعالى خاطر أحدًا أبدًا.. وهذا الخُلق لاشك يعود إلى الكرم ولكنه ليس كرم المال وإنما كرم المشاعر واللين وإرضاء الناس، لذلك يقول النبي الكريم: "تبسمك في وجه أخيك صدقة".. فإذا بدأته بالسلام بوجه مستنير وليس غاضبا ولا عابسا فإن هذه من أولى درجات جبر خواطر العباد.
وفي الحديث القدسي يقول المولى عز وجل: إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصرا على معصيتي، وقطع نهاره في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب، ذلك نوره كنور الشمس، أكلؤه بعزتي، وأستحفظه ملائكتي، وأجعل له في الظلمة نورا.
وجبر الخواطر لا يأتي في المعاملات فقط وإنما أيضًا في الشرائع، فرغم أن الله أباح الطلاق إلا أنه يأتي بعد انقضاء كافة الحلول، وأنه الحل الأخير، لأنه يكسر قلب المرأة مهما كانت تكره زوجها، والرسول الكريم يقول: "كسر المرأة طلاقها".
وحتى النبي صلى الله عليه وسلم، أرضاه الله عز وجل وأجبر خاطره، فحينما تباطأ الوحي على النبي قال كفار قريش "أبطا عليه الشيطان"، يقصدون جبريل عليه السلام، فأنزل الله جلا شأنه آيات محكمات ستظل تتلى حتى قيام الساعة: "وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى"، لجبر خاطر النبي صلى الله عليه وسلم.
اقرأ أيضا:
قوامة الزوج شرعت لإقامة الحب وليست قاهرة.. تعرف على معناها وأسبابهاالله سبحانه وتعالى أيضًا عمد إلى جبر خاطر الأطفال، وقال في قرآنه: "فأما اليتيم فلا تقهر".. لأنه بلا أب يحتويه ولا أم تحنو عليه، وحتى السائل قال سبحانه وتعالى "وأما السائل فلا تنهر"، فهما كان السائل بعدما اضطرته الحاجة لأن يسألك لا تنهره أو تؤذيه بلسانك، فتجمع عليه ذل الفقر وذل السؤال.
الله سبحانه أمر الناس بحسن الخلق في التعامل، وقال: " وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا"، فأن كان هناك إنسانًا ما يمر بظروف سيئة فلا تنطق له بكلمة تجرحه لأن الكلمة أحيانا تكون أقسى على النفس من السهم.
وللنساء أيضًا مكانة خاصة لجبر خواطرهن في القرآن، مثلا أم موسى عليه السلام التي كسر قلبها بعد أن فقدت ابنها، "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ"، ثم يقول الله " وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ"، ثم يجبر بخاطرها بقوله: "فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا"، كأن الأم لا تقر عينها إلا إذا رأت ابنها، وأيضًا مريم حينما خاطبها الله عز وجل في قوله: " فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً"، وأيضًا ابن أم مكتوم رضي الله عنه عندما دخل على النبي وعنده صناديد الكفر يدعوهم للإسلام، ولما رآه النبي أدار بوجهه عن أن ابن مكتوم فحزن ابن أم مكتوم لذلك فجبر خاطره الله بقوله: "عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى".
فتأكد دائمًا أنه إذ كُسر قلبك فلا تظن أن الله لن يجبر خاطرك.. يروى أن النبي كان يمشي مع جابر فقال له مالي أراك منكسرا يا جابر.. فقال جابر يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالا ودينا، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، أفلا أبشرك بما لقي الله به آباك، فقال بلى يا رسول الله، فقال النبي، مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا فَقَالَ يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ قَالَ يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ قَالَ وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا").
حُكي أنه جاء رجل فقير من أهل الصفة بقدحٍ مملوءةً عنباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُهديه له، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القدح وبدأ يأكل العنب، فأكل الأولى وتبسم، ثم الثانية وتبسم، والرجل الفقير يكادُ يطير فرحاً بذلك، والصحابة ينظرون قد اعتادوا أن يشركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شيء يهدى له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل عنبة عنبة ويتبسم، حتى أنهى بأبي هو وأمي القدح والصحابة متعجبون!!! ففرح الفقير فرحاً شديداً وذهب.
فسأله أحد الصحابة يا رسول الله لم لم تُشركنا معك؟! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد رأيتم فرحته بهذا القدح وإني عندما تذوقته وجدته مُراً فخشيتُ إن أشركتكم معي أن يُظهر أحدكم شيئا يفسد على ذاك الرجل فرحتهُ.
الدكتور حُسام موافي.. من أشهر أطباء الباطنة في مصر والوطن العربي.. كان طبيب الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله، يروي أنه ذات مرة سأل الإمام ما أكثر عمل يقربني إلى الله، فقال الشيخ، خمن أنت، فقال، الصلاة، فقال الشيخ لا، فقال الزكاة، فقال الشيخ لا، فقال الصيام، فقال الشيخ لا، فقال ومن يكون سوى ذلك يا إمام، فقال الشيخ: إن الله يقول، "أرأيت الذي يُكذب بالدين؟!.. شايف اللي بيكذب بالدين بيعمل ايه؟.. "فذلك الذي يدُع اليتيم" يعني بيكسر خاطر اليتيم.. ولا يحُض على طعام المسكين.. يعني بيطرد المساكين ومبيأكلهمش ومبيجبرش خاطرهم".
اقرأ أيضا:
برغم أهميتها.. لا تشرع صلاة الاستخارة.. في هذه الحالات