الحجاج بن يوسف الثقفي.. شخصية مثيرة للجدل..هل ظلمه التاريخ أم ظلم نفسه؟
بقلم |
فريق التحرير |
الاثنين 27 ابريل 2026 - 05:24 م
قلّما نجد في تاريخ الإسلام شخصيةً أثارت من الجدل ما أثاره الحجاج بن يوسف الثقفي؛ فبمجرد أن يُذكر اسمه تتزاحم في الذاكرة صور السيف والخطابة، الحزم والبطش، البناء والهدم، حتى يبدو الرجل وكأنه صفحة تاريخية كُتبت بحبرين: حبر القوة، وحبر الدم.
فهل كان الحجاج طاغيةً لا يعرف الرحمة؟ أم كان رجل دولة فرضته ظروف عصر مضطرب؟
سؤال لا يزال مفتوحًا، ويستحق قراءةً تتجاوز الأحكام السريعة والانفعالات الموروثة. دولة تتهاوى.. ورجل ينهض بها
جاء الحجاج في مرحلة كانت فيها الدولة الأموية تمر بواحدة من أخطر لحظاتها؛ ثورات في الداخل، وانقسامات سياسية، وتمردات تهدد وحدة الأمة.
في هذا السياق، برز الرجل بوصفه ذراعًا قويًّا للخليفة عبد الملك بن مروان، فاستطاع أن يعيد السيطرة على العراق، ويقضي على كثير من بؤر الفتنة، ويؤسس لمرحلة من الاستقرار السياسي والإداري.
لقد كان الحجاج إداريًّا صارمًا، وخطيبًا مهيبًا، وقائدًا عسكريًّا لا يتردد في اتخاذ القرار، حتى رأى فيه البعض رجل الدولة الذي أنقذ كيان الخلافة من التفكك.
ومن الإنصاف أن يُذكر له ما ارتبط بعصره من تنظيم الدواوين، وتثبيت سلطة الدولة، ودعم حركة الفتوحات شرقًا حتى بلغت بلاد السند.
لكن.. بأي ثمن؟
غير أن الوجه الآخر لهذه الشخصية لا يمكن تجاهله.
فقد التصق اسم الحجاج بالقسوة، حتى صار رمزًا للبطش في الوعي الشعبي. وتبقى حادثة حصار مكة وقتال عبد الله بن الزبير من أكثر الوقائع التي شكّلت صورته في كتب التاريخ.
لقد كان الرجل يؤمن بأن الدولة لا تستقيم إلا بالقوة، وأن الفتنة لا تُطفأ إلا بالحسم، لكن هذا الحسم كثيرًا ما تجاوز حدود الشدة إلى العنف المفرط.
وهنا يتجدد السؤال:
هل كانت تلك القسوة ضرورة سياسية فرضها الواقع؟ أم أنها كانت طبعًا في شخصيته جعله يظلم نفسه قبل أن يظلمه الناس؟
هل أنصفه المؤرخون؟
ليست كل الروايات التاريخية سواء؛ فبعض ما نُقل عن الحجاج قد يكون صحيحًا، وبعضه قد يكون بالغ فيه خصومه، خاصة أن التاريخ كثيرًا ما يُكتب بعين السياسة.
ومع ذلك، فإن كثرة ما ورد من أخبار شدته تجعل من الصعب تبرئة صورته بالكامل.
لذلك فإن القراءة المنصفة لا تقدّسه ولا تشيطِنه، بل تنظر إليه بوصفه شخصية مركبة:
رجل دولة ناجح من جهة، وصاحب سياسة قاسية من جهة أخرى.
بين الطغيان ورجال الدولة
ربما لا يكون السؤال الصحيح: هل كان طاغية أم رجل دولة؟
بل: كيف يمكن لرجل واحد أن يجمع بين الاثنين؟
فبعض الشخصيات التاريخية لا تُقرأ بلون واحد، والحجاج من أبرز هذه النماذج؛ فقد بنى للدولة هيبتها، لكنه في الوقت نفسه بنى لنفسه صورةً مخيفة في الذاكرة الإسلامية.
ولعل الحقيقة الأقرب أن الحجاج لم يظلمه التاريخ وحده، بل ساهمت أفعاله في رسم صورته القاسية، ثم جاءت الروايات فزادت هذه الصورة حدةً واستمرارًا.
خاتمة رأي
يبقى الحجاج بن يوسف الثقفي اسمًا عصيًّا على الأحكام المطلقة؛ فهو ليس شيطانًا خالصًا، ولا بطلًا مطلقًا، بل شخصية صنعتها ظروف عصر مضطرب، وصنعت هي بنفسها كثيرًا من الجدل الذي لازمها عبر القرون