أخبار

أعمال صالحة قد ينقص أجرها بسبب الرياء.. كيف يحمي المسلم عبادته من حب الظهور؟

اططالأطفال مرآة عاكسة للأم.. كيف تؤثر الحالة النفسية للأم في بناء شخصية أبنائها؟

اختراق علمي.. علاج جيني "لمرة واحدة" لترميم شبكية العين وعكس فقدان البصر

"قاتل صامت في الثلاجة".. دراسة: تناول الطعام ليلاً يرفع خطر الإصابة بمرضين كبديين

الفرج يأتي بعد الصبر.. هذه الآيات تقويك في مواجهة الأزمات و تفرج همك وتفك كربك

ماذا قال النبي لسعد بن أبي وقاص حينما أراد التصدق بماله؟

عبادة الشكر.. تزيدك من نعم الله ولا تنقص

الإمام ملك لأبي جعفر المنصور: لا ترفع صوتك في مسجد النبي

"أسد هنا ومنافق هناك".. كيف تكتشف محترفي النفاق وتتعرف على صفاتهم الحقيقية؟

الزنا أقبح الفواحش .. هل تعلم أن الحيوانات ترفضه

اططالأطفال مرآة عاكسة للأم.. كيف تؤثر الحالة النفسية للأم في بناء شخصية أبنائها؟

بقلم | د. مروة عبد الحميد – استشاري العلاقات الأسرية والتربوية | الاحد 11 اكتوبر 2026 - 06:26 م

لا تقتصر رعاية الأم لطفلها على توفير الغذاء والملبس والاحتياجات الجسدية، بل تمتد إلى بناء عالمه النفسي والعاطفي، وتشكيل الطريقة التي يتعامل بها مع مشاعره ومحيطه الاجتماعي. فالطفل في سنواته الأولى لا يتعلم من الكلمات وحدها، وإنما يلتقط نبرة الصوت، وتعابير الوجه، وطريقة التعامل مع الغضب والخوف والحزن، لتصبح هذه الخبرات جزءًا من تكوين شخصيته مستقبلًا.

ومن هنا، يمكن النظر إلى الطفل بوصفه مرآة تعكس جانبًا من الحالة الانفعالية والبيئة الأسرية التي ينشأ فيها، دون أن يعني ذلك أن الأم وحدها مسؤولة عن كل ما يصيب أبنائها من اضطرابات أو صعوبات نفسية؛ إذ تتداخل عوامل عديدة في تشكيل شخصية الطفل، من بينها دور الأب، والعلاقات الأسرية، والمدرسة، والظروف الاجتماعية والاقتصادية.

الرعاية النفسية.. احتياج أساسي لا يقل أهمية عن الرعاية الجسدية

عندما يولد الطفل، يحتاج إلى من يوفر له الدفء والغذاء والنوم والرعاية الصحية، وتقوم الأم غالبًا بدور محوري في تلبية هذه الاحتياجات. لكنه يحتاج، في الوقت نفسه، إلى الشعور بالأمان والاحتواء والاستجابة لبكائه وانفعالاته، وهي احتياجات أساسية لنموه النفسي والاجتماعي.

فالجهاز العصبي للرضيع لا يزال في طور النمو، وقدرته على تنظيم مشاعره وتهدئة نفسه محدودة للغاية. ولذلك يعتمد في البداية على مقدم الرعاية الذي يساعده على استعادة الهدوء عند الخوف أو الانزعاج.

وتشير دراسات علم نفس النمو إلى أهمية العلاقة المبكرة بين الطفل ومقدم الرعاية في تنمية قدرته على تنظيم الانفعالات وبناء الشعور بالأمان. فحين يجد الطفل استجابة حانية ومتسقة لاحتياجاته، تتكون لديه تدريجيًا خبرة داخلية مفادها أن العالم مكان يمكن الوثوق به، وأن الضيق ليس حالة دائمة، وأن هناك من يستطيع مساعدته على تجاوزه.

التنظيم المشترك للمشاعر.. كيف يستعير الطفل هدوء أمه؟

يُطلق علماء النفس على هذه العملية مصطلح «التنظيم المشترك للمشاعر» (Co-regulation)، ويُقصد به مساعدة الطفل على إدارة انفعالاته من خلال تفاعل هادئ وداعم مع شخص بالغ.

فعندما يبكي الرضيع، وتحمله أمه وتحتضنه وتهدهده بصوت هادئ، فإنها تساعده على الانتقال تدريجيًا من حالة الاضطراب إلى الشعور بالراحة. ومع تكرار هذه الخبرات، يبدأ الطفل في اكتساب المهارات التي تمكّنه من تهدئة نفسه والتعامل مع مشاعره بصورة أكثر استقلالًا مع تقدم العمر.

لكن الأمر لا يتوقف عند الرضيع؛ فالأطفال الأكبر سنًا يحتاجون أيضًا إلى من يساعدهم على فهم مشاعرهم والتعبير عنها دون خوف أو خجل.

وفي المقابل، قد تؤثر الضغوط النفسية المستمرة التي تعانيها الأم في قدرتها على الاستجابة الهادئة لاحتياجات طفلها، فتزداد حدة التفاعلات داخل المنزل. ومع ذلك، لا يعني هذا أن كل أم قلقة أو مرهقة ستنقل اضطرابها إلى أبنائها، بل إن التأثير يتوقف على عوامل متعددة، منها شدة الضغوط ومدتها، ومدى توافر الدعم الأسري، وطبيعة العلاقة بين الأم والطفل.

أربع قنوات ينتقل عبرها التأثير النفسي من الأم إلى طفلها

تتعدد الطرق التي تؤثر بها الحالة النفسية للأم في أبنائها، ويمكن توضيح أبرزها فيما يلي:

أولًا: المرحلة الجنينية

تتأثر بيئة الجنين بالحالة الصحية والنفسية للأم أثناء الحمل، وقد ارتبطت مستويات الضغط النفسي المزمن في بعض الدراسات بتغيرات في استجابة الطفل للتوتر بعد الولادة. لكن هذه النتائج لا تعني أن الضغوط التي تتعرض لها الحامل تؤدي حتمًا إلى مشكلات نفسية لدى طفلها؛ فالنمو الإنساني عملية معقدة، وتتدخل فيها عوامل وراثية وبيئية وتربوية عديدة.

ثانيًا: الإشارات الحسية والانفعالية

يستجيب الطفل لنبرة صوت أمه، وتعابير وجهها، وطريقة حملها له، وإيقاع حركتها. ومع مرور الوقت، يصبح أكثر قدرة على تمييز الحالات الانفعالية المحيطة به، حتى قبل أن يمتلك القدرة على فهم الكلمات أو التعبير عن مشاعره بوضوح.

ثالثًا: العدوى الانفعالية

قد تنتقل بعض مظاهر التوتر أو الهدوء بين الأم وطفلها من خلال التفاعل اليومي. فعندما تتكرر أجواء الصراخ والتوتر داخل المنزل، قد يصبح الطفل أكثر استثارة أو قلقًا، بينما يساعد التواصل الهادئ على تعزيز شعوره بالأمان. ولا ينبغي تفسير كل بكاء أو اضطراب يصيب الطفل بأنه انعكاس مباشر لحالة أمه النفسية، لأن احتياجات الأطفال وأسباب انزعاجهم متعددة.

رابعًا: التعلم بالملاحظة والقدوة

يتعلم الأطفال كثيرًا من السلوكيات عبر مراقبة الكبار وتقليدهم. فالأم التي تعبّر عن غضبها بالصراخ المستمر قد تجعل الصراخ نموذجًا مألوفًا لدى طفلها، بينما تساعد الأم التي تحاول التعبير عن غضبها بالكلمات والحوار على تعليم طفلها أساليب أكثر اتزانًا في التعامل مع الخلافات.

وهنا تتضح أهمية القدوة؛ فالطفل لا يتعلم فقط مما تطلبه منه أمه، بل يتعلم أيضًا من الطريقة التي تتعامل بها مع المواقف اليومية.

السنوات الأولى.. مرحلة تأسيس الأمان النفسي

تمثل السنوات الأولى من حياة الطفل مرحلة مهمة في نمو الدماغ وتطور المهارات العاطفية والاجتماعية. وفي هذه المرحلة، تسهم الاستجابة الدافئة والمتسقة لاحتياجاته في بناء ما يعرف بـ«التعلق الآمن»، وهو نمط من الارتباط يشعر فيه الطفل بأن مقدم الرعاية مصدر للدعم والطمأنينة.

وقد يظهر ذلك في قدرة الطفل على استكشاف محيطه بثقة، واللجوء إلى أمه عند الخوف أو الانزعاج، ثم العودة إلى اللعب بعد أن يستعيد شعوره بالأمان.

أما إذا نشأ الطفل في بيئة تتسم بالتوتر الشديد أو الإهمال العاطفي أو عدم الاستقرار المستمر، فقد تظهر لديه بعض الصعوبات، مثل:

كثرة البكاء أو القلق المفرط عند الانفصال عن الأم.

صعوبات النوم أو تغيرات ملحوظة في الشهية.

نوبات الغضب المتكررة أو صعوبة التعبير عن المشاعر.

الميل إلى الانسحاب أو الخوف من التجارب الجديدة.

شكاوى جسدية متكررة، مثل آلام البطن أو الصداع، قد تتأثر بالضغوط النفسية.

لكن هذه العلامات لا تكفي وحدها للحكم على الحالة النفسية للطفل أو تشخيص اضطراب لديه؛ فقد تنتج عن أسباب صحية أو نمائية أو بيئية مختلفة، ويظل التقييم المتخصص ضروريًا عندما تستمر الأعراض أو تؤثر في حياته اليومية.

المراهقة.. يتغير شكل التأثير ولا ينتهي دور الأم

قد يظن بعض الآباء والأمهات أن تأثيرهم في الأبناء يتراجع بمجرد وصولهم إلى مرحلة المراهقة، بسبب ميلهم إلى الاستقلال وتكوين آرائهم الخاصة. لكن الحقيقة أن دور الأسرة يظل مؤثرًا، وإن تغيرت طبيعته.

فالمراهق يمر بمرحلة مهمة من النمو والتغيرات الانفعالية والمعرفية، ولا تزال بعض الوظائف التنفيذية، مثل التخطيط وضبط الاندفاع وتقدير العواقب، في طور النضج. ولذلك يحتاج إلى مساحة للاستقلال، إلى جانب وجود بالغين قادرين على الاستماع إليه وتوجيهه دون إهانة أو تهديد مستمر.

ويظهر أثر الحالة الانفعالية للأم في هذه المرحلة في عدة جوانب:

التواصل والحوار: قد يؤدي القلق المفرط أو الانفعال السريع إلى تحويل الحوار بين الأم وابنها إلى مواجهة، بينما يمنح الهدوء والإنصات المراهق فرصة للتعبير عن رأيه دون خوف.

الصحة النفسية: قد ترتبط الأجواء الأسرية التي يغلب عليها الصراع والضغط بزيادة احتمالات المعاناة النفسية لدى المراهقين، مع ضرورة مراعاة بقية العوامل المؤثرة في صحتهم.

السلوك واتخاذ القرار: يساعد وجود بيئة أسرية آمنة على طلب المساعدة ومناقشة المشكلات، بينما قد يدفع الخوف من العقاب أو الإهانة بعض الأبناء إلى إخفاء أخطائهم أو تجنب الحديث عنها.

تقدير الذات: تؤثر طريقة تعامل الأم مع إخفاقات ابنها وأخطائه في نظرته إلى نفسه؛ فالنقد المستمر والتقليل من قدراته قد يضعفان ثقته بنفسه، في حين يساعد التوجيه المحترم على بناء شخصية أكثر ثقة ومسؤولية.

ومن المهم أن تدرك الأم أن احتواء المراهق لا يعني الموافقة على كل تصرفاته، بل يعني الجمع بين الحب والاحترام، ووضع الحدود الواضحة، وإتاحة الفرصة له لتحمل المسؤولية تدريجيًا.

هل يجب أن تكون الأم هادئة ومثالية طوال الوقت؟

من الأخطاء التي قد تقع فيها بعض الأمهات الاعتقاد بأن أي لحظة غضب أو إرهاق ستترك أثرًا نفسيًا دائمًا في الأبناء، وهو اعتقاد يزيد الشعور بالذنب والضغط بدلًا من المساعدة على التغيير.

فالأمومة مسؤولية كبيرة، ومن الطبيعي أن تشعر الأم بالتعب أو الضيق أو تفقد هدوءها أحيانًا. ولا يحتاج الطفل إلى أم مثالية لا تخطئ، بقدر ما يحتاج إلى أم تسعى إلى توفير الأمان، وتتعلم من أخطائها، وتعمل على إصلاح ما قد يحدث من توتر في العلاقة.

فعندما تنفعل الأم ثم تعود إلى طفلها، وتعتذر له عن أسلوبها القاسي إذا أخطأت، وتشرح له أنها كانت غاضبة لكنها تحبه، فإنها تقدم له درسًا مهمًا في المسؤولية العاطفية وإصلاح العلاقات.

كما أن الاعتذار لا ينتقص من مكانة الأم أو هيبتها، بل يعلم الطفل أن الاعتراف بالخطأ سلوك ناضج، وأن الخلاف لا يعني انتهاء المحبة أو فقدان الأمان.

والأهم أن الصحة النفسية للأبناء لا تتوقف على الأم وحدها؛ فالأب، والأجداد، والأشقاء، والمدرسة، والبيئة المحيطة، جميعهم قد يؤدون أدوارًا مهمة في دعم الطفل وتعزيز قدرته على التكيف.

ست خطوات تساعد الأم على تحقيق التوازن النفسي

إن العناية بالأم نفسيًا ليست رفاهية، بل جزء من العناية بالأسرة كلها. فكلما حصلت الأم على قدر مناسب من الراحة والمساندة، ازدادت فرص قدرتها على الاستجابة لاحتياجات أبنائها بصورة متزنة.

وفي هذا السياق، يمكن للأم الاستفادة من مجموعة من الممارسات اليومية:

1- التنفس ببطء عند الشعور بالتوتر: التوقف للحظات وأخذ أنفاس هادئة قد يساعد على خفض الاستثارة الانفعالية ومنح الأم فرصة للتفكير قبل الرد.

2- الاهتمام بالنوم والراحة: قد يكون الحصول على نوم كافٍ أمرًا صعبًا، خصوصًا مع الأطفال الصغار، لكن تنظيم فترات الراحة وتقاسم مسؤوليات الرعاية مع الزوج أو أفراد الأسرة يمكن أن يخففا من الإرهاق.

3- التوقف قبل الاستجابة: عندما يصدر الطفل سلوكًا مستفزًا، يمكن للأم أن تمنح نفسها بضع لحظات للهدوء، بدلًا من اتخاذ قرار أو توجيه عقوبة في ذروة الغضب.

4- طلب المساندة دون خجل: ليس مطلوبًا من الأم أن تتحمل كل المسؤوليات بمفردها. فمشاركة الزوج في الرعاية، والاستعانة بالأهل عند الحاجة، وطلب الدعم المتخصص، كلها خطوات مشروعة ومهمة.

5- إصلاح العلاقة بعد الخطأ: إذا ارتفعت نبرة الصوت أو صدر تصرف قاسٍ، فمن المفيد العودة إلى الطفل والحديث معه بهدوء، مع الاعتراف بالخطأ وتوضيح السلوك الصحيح الذي ينبغي اتباعه مستقبلًا.

6- تخصيص وقت للنفس: قد تساعد الحركة البدنية، والتعرض للطبيعة، والتواصل الاجتماعي، وممارسة الأنشطة المحببة على تخفيف الضغوط وتحسين الشعور بالتوازن.

وإذا كانت الأم تعاني قلقًا مستمرًا أو حزنًا شديدًا أو أعراضًا تؤثر في قدرتها على ممارسة حياتها ورعاية أبنائها، فمن المهم ألا تتردد في طلب المساعدة من مختص نفسي، ولا سيما عند الاشتباه في اكتئاب ما بعد الولادة.

دعم الأم مسؤولية أسرية ومجتمعية

إن الحديث عن تأثير الحالة النفسية للأم في أبنائها ينبغي ألا يتحول إلى وسيلة لإلقاء اللوم عليها، بل إلى دعوة لفهم احتياجاتها واحتياجات الطفل معًا. فالأم التي تتحمل أعباء المنزل والعمل والرعاية، دون مساندة كافية، قد تحتاج إلى من يخفف عنها قبل أن يُطلب منها المزيد من الصبر والهدوء.

ومن هنا تأتي أهمية دور الأب في المشاركة الفعلية في تربية الأبناء، وتوفير بيئة أسرية مستقرة، والاستماع إلى الأم وتقدير ما تتحمله من مسؤوليات. كما أن المؤسسات التعليمية والمجتمعية يمكن أن تسهم في نشر الوعي بالتربية الإيجابية والصحة النفسية للأسرة.

فالطفل لا ينمو في فراغ، وإنما يتشكل داخل شبكة من العلاقات والخبرات اليومية، وكلما كانت هذه البيئة أكثر أمانًا واحترامًا وتوازنًا، ازدادت فرص نموه النفسي والاجتماعي بصورة سليمة.

الخلاصة: أم مطمئنة وطفل أكثر قدرة على مواجهة الحياة

إن الطفل قد يعكس جانبًا من مشاعر أمه وطريقتها في التعامل مع المواقف، لكنه ليس نسخة مطابقة لها، كما أن مستقبله النفسي لا تحدده لحظة غضب أو فترة من التعب، وإنما تتفاعل في تشكيله عوامل عديدة على مدار سنوات نموه.

وتظل العلاقة القائمة على الحب والاحتواء والحدود الواضحة والحوار الهادئ من أهم ما يمكن أن تقدمه الأم لأبنائها. فحين تتعلم الأم كيف تعتني بنفسها، وتفهم مشاعرها، وتطلب المساندة عند الحاجة، فإنها لا تحمي ذاتها فحسب، بل تسهم أيضًا في بناء بيئة أسرية أكثر استقرارًا.

فالأم ليست مطالبة بأن تكون بلا مشاعر أو أخطاء، وإنما بأن تمنح أبناءها ما تستطيع من أمان، وأن تتعلم معهم كيف تتحول لحظات الاضطراب إلى فرص للفهم والتقارب والنمو..


موضوعات ذات صلة

الأكثر قراءة

amrkhaled

amrkhaled اططالأطفال مرآة عاكسة للأم.. كيف تؤثر الحالة النفسية للأم في بناء شخصية أبنائها؟