"قصور وجاه وسلطان، ونعيم مطلق، وزروع وفواكه، ونساء"، هكذا يصور لنا الشيطان الدنيا، بينما هي أقل من ذلك بكثير.
إذ يروى أنه قال رجل للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: يا أمير المؤمنين، صف لنا الدنيا. فقال: «ما أصف من دار أولها عناء وآخرها فناء؟ حلالها حساب، وحرامها عقاب. من استغنى فيها فُتِن ومن افتقر فيها حزن»، وقيل لحكيم: صف لنا الدنيا. قال: «أمل بين يديك، وأجل مطل عليك، وشيطان فتان، وأماني جرارة العنان، تدعوك فتستجيب، وترجوها فتخيب».
ولذلك يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم: ««الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: «الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد صديق يحكم فيها ملك قادر، يفصل الحق من الباطل».
حقيقة الدنيا
الدنيا التي يتهافت عليها الناس، ويتقاتلون من أجلها، لا تساوي عند الله عز وجل جناح بعوضة.
عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء»، فيما يروى أنه مر النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم بالسوق والناس عن جانبيه فمر بجدي أسك (صغير الأذن) ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: « أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟ » قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ ثم قال: « أتحبون أنه لكم؟ » قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً، إنه أسك فكيف وهو ميت؟! فقال: « فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم».
اقرأ أيضا:
الأشهر الحرم..أجر عظيم للطاعات والعبادة فيها وخسران مبين لأصحاب المعاصي ..هذا ما يخص رجب وأسمائهوصف الدنيا
فيا من تتمسك بالدنيا، وتتصور أنها الأمل القائم والمستمر، وهي فانية بكل تأكيد، ألم تعمل كيف وصفها الله تعالى؟، فهو وصفها في أكثر من موضع من القرآن الكريم، فقال سبحانه وتعالى: «وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ » (العنكبوت:64).
وقال أيضًا عز وجل: «إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » (يونس:24).
أما من ركنوا إلى الدنيا وأحبوا أهلها، وزهدوا في الآخرة وبقائها فأولئك محبتهم وعداؤهم وولاؤهم من أجل الدنيا، ومناصبها، وما يحصلون عليه من مراتب ودرجات فقط، فكانت المفاجآت أن حلت بهم النكبات، قال الله تعالى: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» (الزخرف:67).