حياة نبينا الأكرم صلى الله عليه وسلم، مليئة بالمتاعب والمشاق، إذ واجه ما لا يمكن أن يتخيله بشر، جراء دعوته إلى التوحيد وعبادة الله الواحد الأحد، وعدم الإشراك به، إلا أنه صبر واحتسب، فكان الله عز وجل يخفف عنه بين الفينة والأخرى بآيات تظل تتلى حتى يوم القيامة.
قال تعالى: «(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ»، وهي آية عظيمة فيها تسلية وتخفيف على قلب سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالقضية أنك مُبلغ لما أنزل الله تعالى أما الهداية فهي بيد الله، فما عليك إلا البلاغ.
قال تعالى: «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (القصص 56).
خطاب إلهي
هذا خطاب الله تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام، فما بالنا بالدعاة.. فلو علم كل من يدعو إلى الله هذا؛ لارتاحوا وبلغوا ما عندهم بلا قهر ولا فرض ولا يأس ولا حزن ولا انتظار نتيجة، فالأمر كله بيد الله تعالى، وهذا أبا طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم مات كافرًا، رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعاه مرارًا للإسلام.
فقد روى البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا عماه قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة»، فقال: لولا أن تعيرني قريش يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت، لأقررت بها عينك، ولا أقولها إلا لأقر بها عينك، فأنزل الله عز وجل: ««إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».
اقرأ أيضا:
كل مشكلة ولها حل حتى المصيبة في الدين.. الأمل بابك للجنةإسعاد النبي
إذن المواقف التي أسعدت قلب النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، كثيرة، ذلك أن الله كان يعلم ما يتعبه ويرهقه، فكان يريحه ببعض الأمور، ومن ذلك رحلة الإسراء والمعراج، والتي جاءت بعد أن فقد النبي صلى الله عليه وسلم زوجته خديجة رضي الله عنها، وعمه أبو طالب في عام واحد، وسمي عام الحزن، وبعد أن رفض أهل الطائف استقباله، فأراد الله أن يخفف عنه.
أيضًا بين الفينة والأخرى كانت تنزل آية فيها تخفيف وتعظيم للنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ» (القلم 4)، وهي الآية التي جاءت بعد أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قولته الشهيرة: «أدبني ربي فأحسن تأدبي»، حتى عندما عفا عن بعض المنافقين، ينزل الله قرآن يتلى يعفوه من الأمر فيقول له رب العزة: «عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ» (التوبة 43).
وهذا عتاب جميل من الله تعالى ذكره، يعاتب به نبيه صلى الله عليه وسلم في إذنه لبعض المنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، يقول جل ثناؤه: (عفا الله عنك)، يا محمد، ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في ترك الخروج معك، وفي التخلف عنك، من قبل أن تعلم صدقه من كذبه.