لم ينهِ الإسلام عن عمل الخير في العلن، لكن جعل الفضل كله في عمل الخير في السر، فعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «سبعة يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه.
فذكر الحديث، وفيه: ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تعلم شمالُه ما تُنفق يمينه»، وما كان النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، إلا لأن فضل السر أعلى وأفضل، ذلك أنه لا يفعله لوجه الله تعالى من جهة، ومن جهة أخرى، لا يضع من تصدق عليه في موقف حرج، وهذا هو المقصود.
وقد جاء التوجيه النبوي الكريم بحث العبد المؤمن على أن يكون له عبادة في السر، فعن الزبير بن العوام رضي الله عنه، مرفوعاً قال: «من استطاع منكم أن يكون له خِبءٌ من عملٍ صالحٍ فليفعل»، أي من الأعمال الخفية التي لا يطلع عليها أحد من الناس، خالية من الرياء، فتكون خالصة لله تبارك وتعالى، مثل صلاة النافلة في جوف الليل أو صدقة السر أو أي عمل آخر من الأعمال الصالحة.
زينة العبد
عبادة السر وطاعة الخفاء إنما هي زينة العبد في خلوته، وزاده من دنياه لآخرته، بها تفرج الكربات، وتسموا الدرجات، وتكفر السيئات.. ذلك عبادة السر وطاعة الخفاء.. لا تخرج إلا من قلب كريم قد ملأ حب الله سويداءه، وعمرت الرغبة فيما عند الله أرجاءه، فأنكر نفسه، وأخفى عمله، وتجرد لله يريد قبوله من مولاه.
فما أجمل هذه النفوس الطيبة، والقلوب النقية، والنيات الصافية.. التي تخفى عن شمالها ما تنفق يمينها، ومما يؤكد نفس المعنى ما رواه أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر»، فجعل عبادة السر من المنجيات، ومما يطفئ غضب الله على العبد.
اقرأ أيضا:
كل مشكلة ولها حل حتى المصيبة في الدين.. الأمل بابك للجنةعبادات الخفاء
عبادات الخفاء وقُرَب السر المشتملة على تعظيم أمر الله تعالى ونهيه، والإكثار من مناجاته لهي عمل جليل جاءت النصوص والآثار مكثرة من الحث عليه، فمن ذلك قوله تعالى: «إنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ» (فاطر: 18)، أي يخافونه سبحانه، حال خلوتهم به بعيدًا عن أعين الخلق، وقوله عز وجل: «إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (البقرة: 271).
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرُّ بالقرآن كالمسرِّ بالصدقة»، ولقد كان الفضيل بن عياض يقول: «من أخلاق الأنبياء والأصفياء الأخيار الطاهرةِ قلوبهم خلائقُ ثلاثة: الحلم، والأناة، وحظ من قيام الليل»، ويروى أن بعض السلف كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها، وقال مسلم بن يسار: «ما تلذّذ المتلذّذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل».