أنسى الأمور القريبة وأتذكر البعيدة.. هل هذا مؤشر على شيء مقلق؟
بقلم |
فريق التحرير |
السبت 29 اغسطس 2026 - 10:46 م
قد يتذكر الإنسان تفاصيل حدثت منذ سنوات، وأسماء أشخاص لم يرهم منذ زمن طويل، لكنه في المقابل ينسى أين وضع هاتفه قبل دقائق، أو ماذا كان يريد أن يفعل، أو ما الذي قيل له منذ قليل. فهل يعني ذلك أن هناك مشكلة مقلقة؟ أم أن الأمر قد يكون طبيعيًا وله أسباب بسيطة؟
النسيان جزء من طبيعة الإنسان، وليس كل نسيان دليلًا على ضعف الذاكرة أو الإصابة بمرض. فالدماغ لا يحتفظ بكل التفاصيل بالطريقة نفسها، وقد تتأثر قدرة الإنسان على تذكر المعلومات القريبة بعوامل كثيرة، من بينها التوتر والإرهاق وقلة النوم والانشغال الذهني.
لماذا أتذكر الماضي وأنسى ما حدث منذ قليل؟
من الطبيعي أن تكون بعض الذكريات القديمة أكثر رسوخًا من الأحداث اليومية العابرة، خصوصًا إذا كانت مرتبطة بمشاعر قوية أو أحداث مهمة في حياة الإنسان.
فالإنسان قد يتذكر موقفًا حدث في طفولته بكل تفاصيله، لكنه ينسى بسرعة ما تناوله في الإفطار أو أين وضع مفاتيحه صباح اليوم.
والسبب أن الذاكرة ليست مجرد «مخزن» يحتفظ بكل ما نراه ونسمعه، وإنما عملية معقدة تتأثر بالانتباه والتركيز والمشاعر والنوم والحالة النفسية.
وفي أحيان كثيرة لا تكون المشكلة في الذاكرة نفسها، وإنما في الانتباه منذ البداية؛ فإذا كان الإنسان يفعل أكثر من شيء في الوقت نفسه أو يفكر في أمر آخر أثناء حديث شخص معه، فقد لا يتم تسجيل المعلومة بصورة جيدة، وبالتالي يصعب عليه استرجاعها بعد دقائق.
التوتر وقلة النوم.. لصوص الذاكرة
قد يمر الإنسان بفترة مليئة بالمسؤوليات والضغوط، فيجد نفسه أكثر نسيانًا من المعتاد.
كما أن قلة النوم والإرهاق المستمر قد يؤثران في التركيز والانتباه والقدرة على تذكر المعلومات الجديدة.
ولهذا فإن تحسين النوم، وتقليل مصادر التوتر قدر الإمكان، وتنظيم الوقت، والابتعاد عن تعدد المهام، قد يساعد في تحسين القدرة على التركيز والتذكر.
متى يكون النسيان طبيعيًا؟
غالبًا لا يكون النسيان اليومي البسيط مدعاة للقلق إذا كان الإنسان يستطيع ممارسة حياته بصورة طبيعية، ويتذكر الأمور المهمة، ويستطيع إنجاز أعماله المعتادة دون صعوبة كبيرة.
ومن أمثلة النسيان العابر أن ينسى الشخص مكان شيء وضعه منذ دقائق، أو يبحث عن كلمة ثم يتذكرها بعد فترة قصيرة، أو ينسى موعدًا إذا كان ذهنه منشغلًا بأمور أخرى.
لكن المهم هو ملاحظة التغير عن المعتاد، وليس مجرد حدوث النسيان من وقت لآخر.
ومتى يحتاج الأمر إلى الانتباه؟
يستحق الأمر تقييمًا طبيًا إذا أصبح النسيان متكررًا ومتزايدًا بصورة ملحوظة، أو بدأ يؤثر في الحياة اليومية والعمل والعلاقات والقدرة على أداء المهام المعتادة.
ومن العلامات التي تستدعي الانتباه: تكرار السؤال نفسه بصورة غير معتادة، نسيان معلومات مهمة بصورة متكررة، صعوبة واضحة في أداء مهام كانت سهلة من قبل، اضطراب في الكلام أو فهم الأشياء، فقدان القدرة على تذكر الأحداث القريبة بصورة متزايدة، أو حدوث تغيرات ملحوظة في السلوك والشخصية.
وفي هذه الحالات لا ينبغي للإنسان أن يشخص نفسه بنفسه، ولا أن يفترض مباشرة أن السبب هو الخرف أو مرض خطير؛ فهناك أسباب كثيرة يمكن أن تؤثر في الذاكرة والتركيز، وبعضها قابل للعلاج.
لا تبحث عن المرض في كل نسيان
من الأخطاء الشائعة أن يقرأ الإنسان عن أعراض أحد الأمراض ثم يبدأ في إسقاطها على نفسه.
النسيان وحده لا يكفي لتشخيص أي مرض، كما أن تذكر الأحداث القديمة ونسيان بعض التفاصيل القريبة لا يعني تلقائيًا وجود مشكلة خطيرة.
والأفضل أن يسأل الإنسان نفسه: هل هذا النسيان جديد؟ هل يزداد مع الوقت؟ هل يؤثر في حياتي اليومية؟ وهل لاحظه الأشخاص المقربون مني أيضًا؟
إذا كانت الإجابة نعم بصورة واضحة، فاستشارة الطبيب هي الطريق الصحيح للاطمئنان ومعرفة السبب.
ماذا أفعل لتحسين ذاكرتي؟
هناك خطوات بسيطة يمكن أن تساعد على تحسين الانتباه والذاكرة، من أهمها:
الحصول على نوم كافٍ ومنتظم.
ممارسة النشاط البدني بصورة مناسبة.
تنظيم المهام وكتابتها بدل الاعتماد على الذاكرة وحدها.
التركيز في مهمة واحدة قدر الإمكان.
تقليل التشتت أثناء الحديث أو أداء الأعمال.
الحفاظ على التواصل الاجتماعي والنشاط الذهني.
الاهتمام بالغذاء المتوازن.
مراجعة الطبيب إذا كان النسيان متزايدًا أو مؤثرًا في الحياة اليومية.
كلمة أخيرة
ليس كل نسيان مرضًا، وليس كل تذكر للماضي ونسيان للحاضر علامة على مشكلة خطيرة.
قد يكون العقل مرهقًا، أو مشتتًا، أو مشغولًا بأمور كثيرة، وقد تكون المعلومة الجديدة لم تحظَ بالقدر الكافي من الانتباه حتى تُحفظ جيدًا.
لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي تجاهل النسيان إذا أصبح جديدًا ومتزايدًا أو بدأ يؤثر بوضوح في الحياة اليومية.
فالقاعدة الأهم هي: لا تهوّل النسيان العابر، ولا تتجاهل التغير الملحوظ. وإذا كان هناك قلق حقيقي، فإن التقييم الطبي المبكر أفضل من القلق والتخمين.