الليث بن سعد.. إمام مصر .. لماذا غلبت شهرته حدود الزمان؟
بقلم |
فريق التحرير |
الاربعاء 03 يونيو 2026 - 05:37 م
في تاريخ الحضارة الإسلامية أسماءٌ لم تكن عظمتها في كثرة ما تركت من الكتب فحسب، بل في عمق الأثر وسعة العلم وحسن السيرة. ومن هؤلاء الأعلام يبرز اسم الليث بن سعد؛ العالم الذي جمع بين الفقه والحديث والزهد والكرم، حتى عُدَّ إمام أهل مصر في عصره، وأصبح مثالًا للعالم الذي عاش للعلم ونفع الناس.
ورغم أن مذهبه الفقهي لم يستمر انتشارُه كغيره من المذاهب، فإن مكانته العلمية بقيت محفوظة في كتب التراجم والفقه والحديث، وشهد له كبار الأئمة بالعلم والإمامة.
اسمه ونسبه وكنيته
هو الإمام أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، ويُنسب إلى قبيلة فَهْم العربية، وكان من أشهر علماء القرن الثاني الهجري.
وُلد سنة 94هـ تقريبًا في مصر، في قرية من قراها القديمة، ونشأ في بيئة عُرفت بالعلم والدين، فعاش منذ صغره قريبًا من حلقات العلماء وطلب المعرفة.
أما كنيته المشهورة فهي: أبو الحارث، وهي التي غلبت عليه في كتب التراجم.
ولُقِّب بـ:
إمام أهل مصر
فقيه مصر
عالم الديار المصرية
الإمام الحافظ
نشأته وطلبه للعلم
نشأ الليث بن سعد في زمن ازدهرت فيه الحركة العلمية، فكان عصر التابعين وأتباعهم عصرًا مليئًا بالرحلات العلمية وحلقات الحديث.
أقبل منذ صغره على العلم، ولم يكتفِ بما في مصر، بل اتسعت رحلته في طلب الحديث والفقه، فجمع بين علوم متعددة حتى أصبح مرجعًا للناس.
وكان من صفاته في طلب العلم:
قوة الحفظ.
شدة التحري في الرواية.
حسن الفهم والاستنباط.
الجمع بين الحديث والفقه.
وقد اشتهر بأنه لم يكن مجرد ناقلٍ للنصوص، بل كان صاحب نظر واجتهاد.
شيوخه.. رحلة واسعة في الأخذ عن العلماء
تلقى الليث العلم عن عدد كبير من العلماء حتى قيل إن عدد شيوخه بلغ المئات.
ومن أشهر من أخذ عنهم:
ابن شهاب الزهري
نافع مولى ابن عمر
عطاء بن أبي رباح
يزيد بن أبي حبيب
جعفر بن ربيعة
فجمع علم الحجاز وعلم مصر وروى عن كبار المحدثين.
مكانته العلمية.. شهادة الأئمة له
بلغ الليث منزلة عالية حتى صار مرجع مصر بلا منازع.
ومن أشهر ما قيل فيه كلمة الإمام الشافعي:
«الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به»
وهذه الكلمة من أشهر ما نقل في بيان مكانة الليث؛ إذ تدل على مقدار علمه واجتهاده، لا على الانتقاص من غيره من الأئمة.
كما أثنى عليه علماء عصره وبعده وعدّوه من كبار أئمة المسلمين.
وكان إلى جانب الفقه إمامًا في الحديث، يعتمد عليه أهل الرواية، ويثقون بعلمه وضبطه.
مذهبه الفقهي.. مدرسة لم يكتب لها الانتشار
كان للإمام الليث اجتهادات فقهية مستقلة حتى عُدَّ صاحب مذهب.
لكن مذهبه لم ينتشر انتشار المذاهب الأربعة، ويرجع ذلك – كما ذكر أهل العلم – إلى أن تلاميذه لم يجمعوا مذهبه ويبنوه كما فعل أصحاب المذاهب الأخرى.
ومع ذلك بقيت آراؤه مبثوثة في كتب الفقه والتراجم.
تلاميذه.. حملة علمه
تخرج على يديه عدد من العلماء والرواة، ومن أشهرهم:
عبد الله بن وهب
عبد الله بن المبارك
يحيى بن بكير
عبد الله بن يوسف التنيسي
وكان مجلسه مقصدًا للطلاب والعلماء.
كرمه وزهده.. عالم عاش للناس
لم يكن الليث إمامًا في العلم وحده، بل عُرف بالكرم الواسع.
وكان كثير الإنفاق على المحتاجين وطلاب العلم، حتى نُقل أنه كانت تأتيه الأموال الكثيرة فلا يبقيها عنده طويلًا.
ومن أخلاقه:
التواضع.
حسن المعاملة.
الإحسان إلى الناس.
العناية بأهل العلم.
وكان يرى أن العلم لا ينفصل عن مكارم الأخلاق.
علاقته بالحكام ومكانته الاجتماعية
كانت له منزلة معروفة بين ولاة عصره، لكن ذلك لم يمنعه من المحافظة على هيبة العلم واستقلال العالم.
فجمع بين احترام السلطة والقيام بواجب النصيحة دون أن يتحول العلم إلى وسيلة لمصلحة شخصية.
وفاته وأثره الباقي
توفي الإمام الليث بن سعد سنة 175هـ في مصر، وشيعه الناس في مشهد يدل على محبة الناس له ومكانته بينهم.
وبقي اسمه حيًا في كتب العلماء، شاهدًا على أن أثر العالم لا يقاس فقط بما بقي من مذهبه، بل بما تركه من علم وقدوة وسيرة حسنة.
خاتمة
يظل الإمام الليث بن سعد نموذجًا للعالم الذي جمع بين الفقه والرواية والخلق والكرم، فاستحق أن يُذكر بين كبار أئمة الإسلام. وإذا كانت بعض المدارس الفقهية قد اشتهرت أكثر، فإن التاريخ العلمي ظل يحتفظ لهذا الإمام بمكانته الرفيعة، ويعيد تقديمه في كل جيل بوصفه أحد أعلام العلم في الحضارة الإسلامية.