بقلم |
فريق التحرير |
الاحد 30 اغسطس 2026 - 08:02 م
الجنة أعظم ما يرجوه المؤمن، والنجاة من النار غاية كل من آمن بالله واليوم الآخر. ومن كرم الله تعالى أن جعل من عباده من يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فيا لها من منزلة عظيمة، ويا لها من بشارة تستحق أن يسعى المسلم إليها.
النبي ﷺ أخبر عن سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب
ورد في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:
«عُرِضَتْ عليَّ الأممُ، فجعل النبيُّ والنبيان يمرون معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد، ... ثم رُفِعَ لي سوادٌ عظيمٌ، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب».
ثم وصف النبي ﷺ هؤلاء فقال إنهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.
وهذه الصفات تكشف لنا أن دخول الجنة بلا حساب ليس بالأماني، وإنما وراءه إيمان عظيم وتعلق صادق بالله تعالى.
من هم هؤلاء؟
أولًا: الذين حققوا التوكل على الله
التوكل ليس ترك الأسباب، وإنما أن يأخذ المسلم بالأسباب المشروعة، ثم يعلق قلبه بالله وحده، ويوقن أن النفع والضر بيده سبحانه.
فالمريض يتداوى، والفقير يسعى في طلب الرزق، والطالب يجتهد في دراسته، لكن القلب لا يعتمد إلا على الله.
ثانيًا: الذين ابتعدوا عن التعلق بالخرافات والتشاؤم
من صفاتهم أنهم لا يتطيرون؛ فلا يجعلون رقمًا أو يومًا أو صوتًا أو حدثًا سببًا للتشاؤم، ولا يعتقدون أن شيئًا من المخلوقات يملك أن يجلب لهم الضر أو يمنع عنهم الخير استقلالًا عن تقدير الله.
ثالثًا: الذين لا يجعلون قلوبهم معلقة بالرقى غير المشروعة
قوله ﷺ: «لا يسترقون» فسره العلماء بأنه لا يطلبون الرقية من الآخرين على وجه ينافي كمال التوكل، وليس معناه تحريم الرقية الشرعية؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ رقى ورُقي، وأذن في الرقية المشروعة.
وكذلك قوله ﷺ: «ولا يكتوون» لا يعني تحريم العلاج بالكي مطلقًا، وإنما يشير إلى كمال التوكل وترك بعض الوسائل التي كانوا يلجؤون إليها طلبًا للشفاء.
هل عددهم سبعون ألفًا فقط؟
وردت روايات أخرى فيها أن الله تعالى يزيد على السبعين ألفًا أعدادًا عظيمة، ولذلك لا ينبغي للمسلم أن يتعامل مع الحديث على أن هذا العدد هو نهاية من يدخلون الجنة بلا حساب.
بل إن فضل الله واسع، ورحمته أعظم من أن يحصيها البشر.
كيف نكون من هؤلاء؟
الطريق يبدأ من توحيد القلب لله، والإخلاص له، والابتعاد عن الشرك والخرافة والتشاؤم، مع حسن الظن بالله، والاعتماد عليه، والرضا بقضائه، والأخذ بالأسباب المشروعة دون تعلق القلب بها.
فليس المقصود أن يترك الإنسان العلاج أو العمل أو طلب الرزق، وإنما المقصود أن تكون يده في الأسباب وقلبه مع مسبب الأسباب.
بشارة عظيمة لكل مسلم
ومن أجمل ما في الحديث أن النبي ﷺ حين ذكر هؤلاء لم يصفهم بكثرة المال، ولا بالجاه، ولا بالقوة، وإنما وصفهم بصفات قلبية وإيمانية؛ وعلى رأسها التوكل على الله.
ولهذا ينبغي ألا يقول المسلم: أنا بعيد عن هذه المنزلة، بل يسأل الله تعالى أن يرزقه كمال التوحيد وحسن التوكل، ويجتهد في إصلاح قلبه وعمله.